فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلّ: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ } ؛ قال ابنُ عباس: (وَذَلِكَ أنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ بَنِي إسْرَائِيْلَ أُمِرَ بالْخُرُوجِ إلَى قِتَال عَدُوِّهِمْ ؛ فَخَرَجُوا لِلْقِتَالِ ثُمَّ جَبنُواْ وَكَرِهُواْ الْقِتَالَ ، فَقَالُواْ لِمَلِكِهِمْ: إنَّ الأَرْضَ الَّتِي تُرِيْدُهَا فِيْهَا الْوَبَاءُ فَلاَ تَأْتِهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ عَنْهَا الْوَبَاءُ ، فَقَالَ لَهُمْ اللهُ: مُوتُواْ) .

واختلفُوا في عددِهم ؛ فقال مقاتلُ والكلبي: (كَانُوا ثَمَانِيَةَ آلاَفٍ) . وقال أبو رَوْقٍ: (عَشَرَةَ آلاَفٍ) . وقال أبو مالكٍ: (ثَلاَثُونَ ألْفًا) . وقال السديُّ: (بضْعَةٌ وَثَلاَثُونَ ألْفًا) . وقال ابنُ جُريج: (أرْبَعُونَ ألْفًا) وقال عطاءُ بن أبي رَبَاح: (تِسْعُونَ ألْفًا) . وقال الضحَّاكُ: (كَانُواْ عَدَدًا كَثِيْرًا) . فَقَوْلُهُ تَعَالَى: { أُلُوفٌ } دليلٌ على كَثرتِهم ؛ إذ لو كانوا كما قالَ مقاتل والكلبيُّ لقالَ: وهم آلافٌ ؛ لأن مِن عشرةِ آلاف إلى ما دونِها يقالُ فيها: آلافٌ ، ولا يُقالُ فيها: أُلوفٌ ؛ لأن الألوفَ جمعُ الكثيرِ. والآلافُ جمعُ القليلِ.

فمكثوا موتَى ثمانيةَ أيامٍ حتى انتفخوا وبلغَ بني إسرائيل موتُ أصحابهم ، فخرجوا إليهم ليدفنُوهم ، فعجزوا عنهم مِن كثرتِهم ، فحَظَرُوا عليهم الحظائِرَ ، ثم أحياهُم اللهُ تعالى بعد ثَمانيةِ أيَّامٍ ، فبقي فيهم من ريحِ النَّتَنِ التي كانت فيهم بعد الموتَ حتى بقيَ في أولادهم إلى اليومِ.

وقال السُّدِّيُّ: (وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي بَنِي إسْرَائِيْلَ ، فَخَرَجَ قَوْمٌ مِنْهُمْ هَاربيْنَ مِنْ دِيَارهِمْ حَتَّى انْتَهَواْ إلَى مَكَانٍ فَمَاتُواْ وَتَفَرَّقَتْ عِظامُهُمْ وَتَقَطَّعَتْ أوْصَالُهُمْ ، فَأَتَى عَلَيْهِمْ مُدَّةٌ وَقَدْ بَلِِيَتْ أجْسَادُهُمْ ، فَمَرَّ بهِمْ نَبيٌّ يُقَالُ لَهُ حِزْقِيْلُ ثَالِثُ خُلَفَاءِ بَنِي إسْرَائِيْلَ بَعْدَ مُوسَى عليه السلام ؛ لأنَّهُ كَانَ بَعْدَ مُوسَى يُوشُعُ بْنُ نُونٍ ، ثُمَّ كَالِبُ بْنُ يوفنا ، ثُمَّ حِزْقِيْلُ. وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْعَجُوز ، وَذَلِكَ أنَّ أُمَّهُ كَانَتْ عَجُوزًا فَسَأَلَتِ اللهَ تَعَالَى الْوَلَدَ وَقَدْ كَبُرَتْ وَعَقُمَتْ ، فَوَهَبَهُ اللهُ تَعَالَى لَهَا ؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ابْنَ الْعَجُوز) .

وقال الحسنُ ومقاتل: (هُوَ ذُو الْكَفْلِ ، وإنَّمَا سُمِّيَ حِزْقِيْلُ ذَا الْكَفْلِ ؛ لأنَّهُ تَكَفَّلَ بسَبْعِيْنَ نَبيًّا وَأنْجَاهُمْ مِنَ الْقَتْلِ ، فَقَالَ لَهُمُ: اذْهَبُواْ فَإنِّي إنْ قُتِلْتُ كَانَ خَيْرًا مِنْ أنْ تُقْتَلُواْ جَمِيْعًا ، فَلَمَّا جَاءَ الْيَهُودُ وَسَأَلُواْ حِزْقِيْلَ عَنِ الأَنْبِيَاءِ السَّبْعِيْنَ ، فَقَالَ لَهُمْ: ذَهَبُواْ وَلَمْ أدْر أيْنَ هُمْ. وَحَفِظَ اللهُ ذَا الْكَفْلِ مِنَ الْيَهُودِ. فَلَمَّا مَرَّ حِزْقِيْلُ عَلَى أُوْلَئِكَ الْمَوْتَى وَقَفَ عَلَيْهِمْ وَجَعَلْ يُفَكِّرُ فِيْهِمْ مُتَعَجِّبًا ، فَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ الْقَادِر عَلَى أنْ يُحْيِي هَذِهِ الأَجْسَادَ ، فَأَوْحَى اللهُ إلَيْهِ: يَا حِزْقِيْلُ ، أتُرِيْدُ أنْ أُريَكَ كَيْفَ أُحْيي الْمَوْتَى ؟ قَالَ نَعَمْ ، فَقَالَ: لَهُ: نَادِهِمْ ، فَنَادَى: أيُّهَا الْعِظَامُ ، ثُمَّ قَالَ: ألاَ أيُّتُهَا الأَجْسَادُ الْبَالِيَةُ ، إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُنَّ أنْ تَكْتَسِيْنَ لَحْمًا ، فَجَعَلَ اللَّحْمُ يَجْْرِي عَلَيْهِنَّ حَتَّى صِرْنَ أجْسَادًا مِنَ اللُّحُومِ ، ثُمَّ قَالَ: ألاَّ أيَّتُهَا الأَجْسَادُ الْبَالِيَةُ الْخَاويَةُ ، إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُنَّ أنْ تَقُمْنَ بإذْنِ اللهِ ، فَقَامُواْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت