قَوْلُهُ تَعَالَى: { ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } قال ابنُ عبَّاس:(وَذلِكَ"أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا وَضَعَ الْفِدَاءَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأُسَارَى أرْبَعِينَ أوْقِيَّةً مِنْ ذهَبٍ ، وَجَعَلَ عَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ مِائَةَ أوْقِيَّةً ، قالَ الْعَبَّاسُ: أتَجْعَلُ عَلَيَّ مِائَةَ أوْقِيَّةٍ وَعَلَىَ عَدُوِّكَ سُهَيْلِِ بْنِ عَمْرٍو أرْبَعِينَ أوْقِيَّةً ؟ قال:"نَعَمْ ؛ لِقَطْعِكَ الرَّحِمَ وَلِظُلْمِكَ قَالَ: تَرَكْتَنِي وَاللهِ أسْأَلُ قُرَيْشًا مَا بَقِيتُ ، فَكَيْفَ تَتْرُكُ عَمَّكَ يَسْأَلُ النَّاسَ بكَفَّهِ؟!
فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: وَأيْنَ الذهَبُ الَّذِي أعْطَيْتَهُ أمَّ الْفَضْلِ عِنْدَ مَخْرَجِكَ ؟ فَقُلْتَ: إنْ حَدَثَ بي حَدَثٌ فِي وَجْهِي هَذا فَهُوَ لَكِ وَلِعَبْدِاللهِ وَقُُثَمِ وَلِلْفَضْلِ"قَالَ: وَمَا يُدْريكَ؟! قَالَ:"أخْبَرَنِي اللهُ بذلِكَ"فَقَالَ: أشْهَدُ أنَّكَ صَادِقٌ وَإنِّي لَمْ أعْلَمْ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ قَطُّ قَبْلَ الْيَوْمِ ، وَإنِّي دَفَعْتُ إلَيْهَا الذهَبَ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ إلاَّ اللهُ ، وَأَنَا أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَأنَّكَ رَسُولُ اللهِ. فَأَسْلَمَ وَأَمَرَ ابْنَ أخِيهِ أنْ يُسْلِمَ"، فأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) .
ومعنَاها: يَا أيُّها النبيُّ قُلْ للعبَّاس وعقيل وغيرِهم من الأُسَارَى: إنْ يعلَمِ اللهُ في قلُوبكم رغبةً في الإيمان وإخْلاَصًا في النيَّة ، يُؤتِكُمْ خيرًا مما أخذ منكم من الفديةِ. يجوزُ أن يكون المعنى: يَخْلِفُ عليكم في الدُّنيا ، ويجوز أن يكون: ويُجازيكُم في الآخرةِ.
وكان العباسُ أحدَ الثلاثة عشر الذين ضَمِنُوا طعامَ أهلِ بدر ، فخرجَ معهم بعشرين أوقِيَّةً من ذهبٍ ليُطعِمَ بها الناسَ ، ولم تبلُغْهُ نوبةُ الإطعامِ حتى أُسِرَ وأُخِذ وهي معه فأخذُوهَا منه ،"فلما وضعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على العبَّاسِ الفداءَ مِائَةَ أوقِيَّةِ قَالَ: (يَا مُحَمَّدُ احْتَسِبْ لِيَ بالْعِشْرِينَ أوْقِيَّةً مِنْ فِدَائِي) . فأَبَى وَقَالَ:"أمَّا شَيْءٌ خَرَجْتَ تَسْتَعِينُ بهِ عَلَيْنَا فَلاَ أتْرُكُهُ لَكَ"."
فَلَمَّا أسْلَمَ العباسُ كان إذا قرأ هذه الآية قال: (صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ قَدْ أعْطَانِي خَيْرًا مِمَّا أخَذ مِنِّي ، أبْدَلَنِي مَكَانَ الْعِشْرِينَ أوْقِيَّةً الَّتِي أُخِذتْ مِنِّي عِشْرِينَ مَمْلُوكًا ، كُلُّ مَمُْوكٍ يَضْرِبُ بعِشْرِينَ ألْفًا فِي التِّجَارَةِ ، وَأعْطَأنِي زَمْزَمَ مَا أُحِبُّ أنَّ لِي بهَا جَمِيعَ أمْوَالِ أهْلِ مَكَّةَ ، أنْجَزَ لِي أحَدَ الْوَعْدَينِ ، وَأنَا أرْجُو أنْ يُنْجِزَ لِيَ الْوَعْدَ الثَّانِي ، أنْتَظِرُ الْمَغْفِرَةَ مِنْ رَبي) .
وعن العلاءِ بن الحضرميِّ رضي الله عنه أنَّهُ بَعَثَ إلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْبَحْرَيْنِ ثَمَانِينَ ألْفًا ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: (أعْطِنِي مِنْ هَذا الْمَالِ) فأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا أطَاقَ حَمْلَهُ ، فَجَعَلَ الْعَبَّاسُ يَقُولُ: (أمَّا إحْدَى اللَّتَيْنِ وُعَدَنَا اللهُ فَقَدْ أنْجَزَهَا ، فَلاَ نَدْري مَا يَصْنَعُ بالأخْرَى) . يعني { يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ } .