قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } ؛ ليسَ هذا الجوابُ عمَّا سَألَهُ تعالى من جهةِ اللفظ ؛ لأن هذا الجوابَ جوابُ: أيُّكما خَيْرٌ ؟ إلاَّ أن هذا جوابٌ من جهةِ المعنى ، فإن معناهُ: إنَّما مَنَعَنِي من السجودِ إلا أنِّي كنتُ أفضلَ منه.
وكان هذا القولُ من اللَّعِيْنِ تَجْهِيْلًا منهُ بخَالِقِهِ ؛ كأن قال: إنَّكَ فضَّلْتَ الظُّلْمَةَ على النُّور وليسَ ذلكَ من الحكمةِ. فأعلَمَ اللهُ تعالى أنهُ صَاغِرٌ بهذا القولِ ، وليس الأمرُ على ما قاله الْمَلْعُونُ ؛ لأنهُ رأى أنَّ جوهرَ النار أفضلُ من جوهرِ الطِّينِ في المنفعةِ ، وليس كذلكَ لأن عَامَّة الثِّمَار والحبوب والفواكه من الطِّينِ ، وكذلك الملابسُ كلُّها لا تخرجُ إلا من الطِّين ، وعمارةُ الأرضِ من الطين ، وهو موضعُ القَرَار عليهِ لا استغناءَ عنهُ في حالٍ من الأحوال. وأما النَّارُ فهي لِلْخَرَاب ، وإنْ كان فيها بعضُ المنافعِ.
وقال ابنُ عبَّاس: (أوَّلُ مَنْ قَاسَ فَأْخْطَأَ الْقِيَاسَ إبْلِيْسُ لَعَنَهُ اللهُ ، فَمَنْ قَاسَ الدِّيْنَ بتَبَعٍ مِنْ رَأيهِ قَرَنَهُ اللهُ مَعَ إبْلِيْسَ) . وكان قياسُ إبليسَ أنه قال: النارُ خيرٌ وأفضلُ وأصفَى وأنورَ من الطِّين. وقال ابنُ سيرينَ: (أوَّلُ مَنْ قَاسَ إبْلِيْسُ ، وَمَا عُبدتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إلاَّ بالْمَقَاييْسِ) .
وَقَدْ أخْطَأَ عَدُوٌّ اللهِ حِيْنَ فَضَّلَ النَّارَ عَلَى الطِّيْنِ ، بَلِ الطِّيْنُ أفْضَلُ مِنَ النَّارِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ؛ أحْسَنُهَا: إنَّ جَوْهَرَ الطِّيْنَ السُّكُونُ وَالْوَقَارُ وَالْحَيَاءُ وَالصَّبْرُ وَالْحُلْمُ ، وَذلِكَ هُوَ الدَّاعِي لآدَمَ بَعْدَ السَّعَادَةِ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ إلَى التَّوْبَةِ وَالتَّوَاضُعِ ، فأَوْرَثَهُ الْمَغْفِرَةَ وَالاجْتِبَاءَ والْهِدَايَةَ وَالتَّوْبَةَ. وَمِنْ جَوْهَرِ النَّار الْخِفَّةُ والطَّيْشُ وَالحِدَّةُ وَالارْتِفَاعُ وَالا ضْطِرَابُ ، وَذلِكَ هُوَ الدَّاعِي لإِبْلِيْسَ بَعْدَ الشَّقَاوَةِ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ إلَى الاسْتِكْبَار وَالإصْرَار ، فأَوْرَثَهُ الْعَذابَ وَالْهَلاَكَ وَاللَّعْنَةَ وَالشَّقَاءَ.
وَالثَّانِي: أنَّ الطِّينَ سَبَبٌ لِجَمْعِ الأَشْيَاءِ ، وَالنَّارُ سَبَبٌ لِتَفَرُّقِهَا. وَالثَّالِثُ: أنَّ الْخَبَرَ نَاطِقٌ بَأَنَّ تُرَابَ الْجَنَّةِ مِسْكٌ أذفَرُ ، وَلَمْ يَنْطِقِ الْخَبَرُ أنَّ فِي الجَنَّةِ نَارًا وَفِي النَّار ترابًا. وَالرَّابعُ: أنَّ النَّارَ سَبَبُ عَذاب الله تَعَالَى لأَعْدَائِهِ ، وَلَيْسَ التُّرَابُ لِلْعَذاب. وَالْخَامِسُ: أنَّ التُّرَابَ مُسْتَغْنٍ عَنِ النَّارِ ، وَالنَّارُ تَخْرُجُ إلَى الْمَكَانِ وَمَكَانُهَا التُّرَابُ).