قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } ؛ واختلفَ المفسِّرون في المخاطَب بهذه الآية ، قال أكثرُهم: هُوَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُرَادُ لَهُ عَامَّةُ النَّاسِ. وقال قتادةُ: (الْمُخَاطَبُ بهَا الإنْسَانُ) كَأَنَّهُ قَالَ: مَا أصَابَكَ أيُّهَا الإنْسَانُ مِنْ حَسَنَةٍ ؛ أيْ مِنْ خِصْبٍ وَرُخْصِ سِعْرٍ وَفَتْحٍ وَغَنِيْمَةٍ فَاللهُ تَعَالَى هَدَاكَ لَهُ وَأَعانَكَ عَلَيْهِ وَوَفَّقَكَ لَهُ ، وَمَا أصَابَكَ مِنْ قَحْطٍ وَجُدْبَةٍ وَهَزِيْمَةٍ وَنَكْبَةٍ وَكُلَّ أمْرٍ تَكْرَهُهُ ؛ فَإنَّمَا أصَابَكَ ذلِكَ بمَا كَسَبَتْ يَدَاكَ بقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى { وَمَآ أَصَـابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [الشورى: 30] . وعن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنهُ قال:"مَا مِنْ خَدْشَةٍ عُودٍ وَلاَ اخْتِلاَجِ عِرْقٍ وَلاَ عَثْرَةِ قَدَمٍ إلاَّ بذنْبٍ ، وَمَا يَعْفُو اللهُ أكْثَرُ"
وقال بعضُ المفسِّرين: بين هذه الآيةِ وبينَ التي قبلَها إضمارٌ تقديرُه: فَمَا لِهَؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيْثًا يَقُولُونَ مَا أصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ ، وَمَا أصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ؛ لأنَّهُ مستحيلٌ أن يأمرَ اللهُ تعالى بإضافةِ الحسنَةِ والسيِّئة إلى أمرهِ وقضائه في آيةٍ ثم يَتْلُوهَا بآيةٍ تُفَرِّقُ بينهُما بعدَ أن ذمَّ قومًا على التفرقةِ في الأُولى ، فكيف يجوزُ أن يَذِمَّ على الجمعِ في الآية الثانيةِ ، ومثلُ هذا الإضمارِ كثيرٌ في القرآنِ.
وقرئَ في الشواذِ بنصب الميم (فَمَنْ نَفْسِكَ) أي كلٌّ مِنَ اللهِ ، فمَن أنتَ ونفسَكَ حتى يُضَافَ إليكَ شيءٌ ، غير أنَّ القراءةَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ ؛ فلا يقرأ إلاَّ بما تَصِحُّ به الروايةُ ، وحاصلُ المعنى على قراءةِ العامَّة: أي مَا أصابَكَ مِنْ خَيْرٍ ونِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ، وَمَا أصَابَكَ مِنْ بَلِيَّةٍ ، أوْ شَيْءٍ تَكْرَهُهُ فَمِنْ نَفْسِكَ ؛ أي بذنوبكم ، وأنا الذي قدَّرتُها عليكَ. قال الضحَّاك: (مَا حَفِظَ الرَّجُلُ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ إلاَّ بذنْبٍ) ثم قَرَأ { وَمَآ أَصَـابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [الشورى: 30] ، قال: (فَنِسْيَانُ الْقُرْآنِ مِنْ أعْظَمِ الْمَصَائِب) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا } ؛ أي ومِن نِعْمَةِ اللهِ عليكَ إرسالهُ إياكَ رسولًا إليهم ، { وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } ؛ على أنكَ رسولٌ صادقٌ يشهدُ لك بالرسالةِ والصِّدق ، وَقِيْلَ: شَهِدَ على مقالةِ القوم أنَّ الحسنةَ من اللهِ ، والسيئةَ من عندكَ: وَقِيْلَ: معناهُ: يشهدُ أنَّ الحسنةَ والسيِّئةَ كلَّها من اللهِ.