فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ } ؛ أي لِيَكُنْ منكم جَمَاعَةٌ يدعونَ إلى الصُّلح والإحسان ، ويأمرونَ بالتوحيد واتِّباع مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وسائرِ الطَّاعات الواجبةِ ؛ { وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } ؛ والشِّرْكِ وسائرِ ما لا يُعْرَفُ في شريعةٍ ولا سُنَّةٍ ، { وَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ، أي النَّاجُونَ من السَّخَطِ والعذاب ، وإنَّما قال: { وَلْتَكُن مِّنْكُمْ } ولم يقُلْ: وليَكُن مِنْكُمْ جَمِيْعُكُمْ ؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عنِ المنكر فَرْضٌ على الْكِفَايَةِ ، إذا قَامَ به البعضُ سَقَطَ عن الباقين ، ويجوزُ أن يكون المرادُ بالأُمَّةِ العلماءَ في هذه الآية الذين يُحْسِنُونَ ما يَدْعُونَ إليه.

وذهب بعضُ المفسِّرين الى أنَّ المعنى: ولتكونوا كُلُّكُمْ ، لكنْ (مِنْ) هُنا دخلت للتوكيدِ وتخصيصِ المخاطَبين من سائرِ الأجناسِ كما في قولهِ تعالى: { فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ } [الحج: 30] أي فاجتنبوا الأوثانَ فإنَّها رجسٌ ؛ لا أنَّ المرادَ: فاجتنبوا بَعْضَ الأوثانِ دون بعضٍ ، واللامُ في { وَلْتَكُن } لامُ الأمرِ.

وقولهُ: { يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ } أي إلى الإسلامِ ، ثم النهيُ عن المنكرِ على مراتبٍ ؛ أوَّلُها: الوعظُ والتَّخويفُ ، فإن زالَ بذلكَ لم يَجُزْ للناهي أن يَتَعَدَّى عنهُ إلى غيره ما فوقَه ، ثم بالإيذاءِ والنِّعال ، ثم بالسَّوْطِ ، ثم بالسِّلاح والقتالِ ؛ لأن المقصودَ زوالُ المنكرِ.

فَأمَّا إذا كان النَّاهي عن المنكرِ خائفًا على نفسِه ، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبقَلْبهِ ؛ وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيْمَانِ"وقالَ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أمَرَ بالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَهُوَ خَلِيْفَةُ اللهِ فِي أرَضِهِ ؛ وَخَلِيْفَةُ رَسُولِهِ ؛ وَخَلِيْفَةُ كِتَابِهِ"وقَالَ صلى الله عليه وسلم:"أؤُمُروْا بالْمَعْرُوفِ وَإنْ لَمْ تَعْمَلُواْ بهِ كُلِّهِ ، وَانْهَواْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإنْ لَمْ تَنْتَهُواْ عَنْهُ كُلَّهُ"

وقال عليٌّ رضي الله عنه: (أفْضَلُ الْجِهَادِ الأَمْرُ بالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَشَنْأَنُ الْفَاسِقِيْنَ) . وَقَالَ أبُو الدَّرْدَاءِ: (لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ وَتَنْهُوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ ؛ وإلاَّ لَيُسَلِّطَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ظَالِمًا لاَ يُجِلُّ كَبيْرَكُمْ وَلاَ يَرْحَمُ صَغِيْرَكُمْ ، وَيَدْعُو أخْيَارُكُمْ فَلاَ يُسْتجَابُ لَهَمْ ؛ يَسْتَنْصِرُونَ فَلاَ يُنْصَرُونَ ؛ وَيَسْتَغْفِرُونَ فَلاَ يُغفَرُ لَكُمْ) . وقال حذيفة: (يَأَتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لأَنْ يَكُونَ فِيْهِمْ جِيْفَةُ حِمَار أحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ مُؤْمِنٍ يَأْمُرُهُمْ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) ، وقال الثوريُّ: (إذا كَانَ الرَّجُلُ مَحْبُوبًا فِي جِيْرَانِهِ مَحْمُودًا عِنْدَ إخْوَانِهِ ، فَاعْلَمْ أنَّهُ مُدَاهِنٌ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت