فهرس الكتاب

الصفحة 3823 من 4495

وقَوْلُهُ تَعَالَى: { ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا } ؛ أي أتبَعْنَا الرُّسل على إثرِ نوحٍ وإبراهيمَ ومَن كان من الرُّسل من أولادِهما ، { وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ } ؛ أي أتبَعنا به وأعطيناهُ الإنجيلَ دُفعةً واحدةً ، { وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ } ؛ الحواريِّين وأتباعَهم ، { رَأْفَةً وَرَحْمَةً } ؛ يعني المودَّةَ ، كانوا مُتوَادِّين بعضهم لبعضٍ كما وصفَ اللهُ تعالى أصحابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى { رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } [الفتح: 29] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا } ؛ ليس بعطفٍ على ما قبلَهُ ، وانتصابهُ بفعلٍ مُضمَرٍ يدلُّ عليه ما بعدَهُ ، كأنه قالَ: وابتدَعُوا رهبانيةً ؛ أي جاءُوا بها من قِبَلِ أنفُسِهم ، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللَّهِ } ؛ معناهُ: ما فرَضنَاها عليهم تلك الرهبانيَّة ، بل هي غلُوُّهم في العبادِة من حملِ المشَاقِّ على أنفُسِهم ، وهي الامتناعُ من المطعمِ والمشرب والملبَسِ والنِّكَاحِ والتعبُّدِ في الجبالِ ، ما فَرضنَا عليهم ذلك إلاّ أنَّهم طلَبُوا بها رضوانَ اللهِ. وَقِيْلَ: معناها: ما فرَضنا عليهم إلاَّ اتباعَ ما أمرَ اللهُ.

قَوْلُهُ تعَالَى: { فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } ؛ أي قصَّرُوا فيما ألزَمُوه أنفُسَهم ولم يحفَظُوها حقَّ الحفظِ ، ويقالُ: إنه لَمَّا لم يُؤمِنوا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم حين بُعث كانوا تاركين لطاعةِ الله تعالى غيرَ مُراعين لها فضيَّعوها وكفَرُوا بدينِ عيسى بن مريم ، وتَهَوَّدوا وتنَصَّروا وتركوا الترهيب.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ } ؛ وهم الذين أقَامُوا على دينِ عيسى حتى أدرَكُوا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فآمَنُوا به فأعطيناهم ثوابَهم ، قال صلى الله عليه وسلم:"مَنْ آمَنَ بي وَصَدَّقَنِي وَاتَّبَعَنِي فَقَدْ رَعَاهَا حَقَّ رعَايَتِهَا ، وَمَنْ لَمْ يَتَّبعْنِي فَأُولَئِكَ هُمُ الْهَالِكُونَ"قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } ؛ معناهُ: وكثيرٌ منهم خالَفُوا دينَ عيسى فقالوا هو ابنُ اللهِ أو نَحوًا من هذا القولِ.

والرهبانيَّةُ في اللغة: خَصْلَةٌُ يظهرُ فيها معنى الرَّهْبَنَةِ ، وذلك إمَّا في لبسهِ أو انفرادهِ عن الجماعة للعبادةِ ، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"لاَ تُشَدِّدُواْ عَلَى أنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدُ اللهُ عَلَيْكُمْ ، فَإنَّ قَوْمًا شَدَّدُواْ عَلَى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ ، { وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ } ".

وعن عروةَ قال:"دَخَلَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ بَاذةُ الْهَيْبَةِ ، فَسَأَلَتْهَا: مَا شَأْنُكِ ؟ فَقَالَتْ: زَوْجِي يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ النَّهَارَ ، فَذكَرَتْ عَائِشَةُ ذلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍِ ، فَقَالَ لَهُ:"يَا عُثْمَانَ إنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا ، فَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ ، فَوَاللهِ إنِّي لأَخْشَاكُمْ للهِ وَأحْفَظُكُمْ لِحُدُودِهِ"".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت