قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ ياقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ } ؛ وذلكَ أن السامريَّ لَمَّا دعاهُم إلى عبادةِ العجل وقال لَهم: إنَّ هذا إلَهُنا وإلهُ موسى ، وأن موسَى مَعْنِيٌّ في طلبهِ ، وهو ههنا.
فقامَ هرونُ فيهم خطيبًا ، وقالَ: يَا قَوْمِ إنَّمَا فُتِنْتُمْ بعبادةِ العجل ، { وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَـانُ } ؛ لا العجلُ ، { فَاتَّبِعُونِي } ؛ لِما أدعوكم اليه ، { وَأَطِيعُواْ أَمْرِي } ؛ لا أمرَ السامريِّ ، فَعَصَوْهُ ؛ { قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ } ؛ أي لا نزالُ مقيمين على عبادتهِ ، { حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى } ؛ ومعنى قولهِ تعالى { وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ } أي من قبلِ أن يأتِي موسى.
فلما رجعَ موسى ؛ { قَالَ } ؛ لِهارون: { ياهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ } ؛ بعبادةِ العجل ، { أَلاَّ تَتَّبِعَنِ } ؛ لا زائدةٌ ؛ أي ما منعكَ من اتِّباعي واللحوقِ بي بمن أقامَ على إيْمَانِهِ ، { أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي } ؛ بإقامتِكَ بينهم وقد كفروا ، ثُم أخذ موسى برأسِ هارون ولِحيَته غضبًا منهُ عليه فـ { قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي } ؛ ولا بشعرِ رأسي ، { إِنِّي خَشِيتُ } ؛ إن فارقتُهم واتبعتك بمن أقامَ على دِينك أن يتفرَّقُوا أحزابًا ، وخشيتُ أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا و { أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ } ؛ أي ولَم تحفَظْ ، { قَوْلِي } ؛ وصيَّتي ، ولَم تنتَظِر قُدُومِي وأمري ، فلذلك لَم أتَّبعْكَ بمن أقامَ منهم على دِينك.
قال ابنُ عبَّاس: (كَانَ هَارُونُ أخَا مُوسَى لأَبيْهِ وَأُمِّهِ ، وَإنَّمَا قَالَ: يَا ابْنَ أُمِّ ليرفقَهُ ويستعطفه عليه) ، وفي قولهِ (يَا ابْنَ أُمِّ) قِرَاءَتان ، مَن قرأ بفتح الميمِ جعلهُ بمنْزِلة اسمٍ واحد يصلُ الثانِي بالأول ، مثلُ خمسةَ عشر ، ومَن قرأ بالكسرِ فعلى معنى الإضافة ، ودلَّتْ كسرةُ الميم على الياءِ التي بعدها.
فإن قِيْلَ: كيف جازَ أن يأخذ موسى بلحيةِ هارون ورأسه مع أن ذلك يقتضِي الاستخفافَ به ؟ قِيْلَ: لأن العادةَ في ذلك الوقتِ لَم تكن كهذهِ العادة ، بل كان ذلكَ في زمانِهم يجري مجرَى القبضِ على يده ، وَقِيْلَ: لأنه أجرَى هرون مُجرى نفسهِ ؛ لأنه لَم يكن يتَّهم ، كما لا يتهم على نفسهِ ، فقد يأخذُ الإنسانُ بلحيةِ نفسهِ إذا غَضِبَ ، ويقال: (إنَّ عُمَرَ عليه السلام كَانَ إذا غَضِبَ يَفْتِلُ شَارِبَهُ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي } أي فتركتَ وصيَّتي ، قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي } يعني: ولَم تحفَظْ وصيَّتي حين قلتُ لكَ أخلفني في قومي وأصلِحْ.
فلما اعتذرَ هارونُ بهذا العذرِ أقبلَ موسى السامريِّ ؛ { قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسَامِرِيُّ } ؛ أي ما شأنُكَ وما الذي دعاكَ إلى ما صنعتَ ؟ وَقِيْلَ: معناه: ما هذا الْخَطْبُ الْعظيم الذي دعاكَ إلى ما صنعتَ ، والْخَطْبُ هو الجليلُ من الأمرِ.
قال قتادةُ: (كَاَنَ السَّامِرِيُّ مِنْ عُظَمَاءِ بَنِي إسْرَائِيْلَ ، مِنْ قَبيْلَةٍ يُقَالُ لَهَا سَامِرَةٌ ، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ مَا قَطَعَ الْبَحْرَ مَعَ بَنِي إسْرَائِيْلَ مَرَّ بجَمَاعَةٍ وَهُم يَعْكِفُونَ عَلَى أصْنَامٍ لَهُمْ وَمَعَهُ بَنُو إسْرَائِيْلَ ، فَقَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ، فَاغْتَنَمَهَا السَّامِرِيُّ فَاتَّخَذَ الْعِجْلَ) ، { قَالَ } ؛ السَّامِرِيُّ مُجيبًا لِموسى: { بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ } ؛ أي رأيتُ ما لَم يَرَوا ، بَصُرْتُ به ، وعرفتُ ما لَم يعرفوا وفطنتُ ما لَم يفطنوا ، قال له موسى: وما الذي بَصُرْتَ به دون بني إسرائيل؟
قال: { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ } ؛ من حافرِ فرسِ جبريل ، وكان قد أُلقي في نفسِي أن أقبضها ؛ وما ألقيهِ على شيءٍ إلاّ صارَ له روحٌ ولَحم ودمٌ ، فحين رأيتُ قومَكَ طلبوا منكَ أن تجعل لَهم إلَهًا حدَّثَتني نفسي بذلكَ ، { فَنَبَذْتُهَا } أي فطرحتُها في العجلِ ، { وَكَذالِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي } ؛ أي زَيَّنَتْ لِي نَفْسِي) أي أطمَعَتني نفسي في أن العجلَ ينقلبُ حيوانًا.