فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 4495

قولهُ عَزَّ وَجَلَّ: { يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا } ؛ أي يخالِفُون اللهَ ويَكْذِبُونَهُ وَيَكْذِبُونَ المؤمنين. ويخالفونَهم في ضمائرِهم وهم المنافقونَ. وأصلُ الْخَدَعِ في اللغة الاختفاءُ ؛ ومنهُ قِيْلَ للبيتِ الذي يُخَبَّأُ فيه الْمَتَاعُ: مَخْدَعٌ ؛ فالْمُخَادِعُ يُظهرُ خلافَ ما يُضمرُ. وقال بعضُهم: أصل الْخَدَاعِ في اللغة: الفسادُ. وقال الشاعرُ: أبْيَضُ اللَّوْنِ لَذِيْذٌ طَعْمُهُ طَيِّبُ الرِّيْقِ إذَا الرِّيْقُ خَدَعْأي فَسَدَ ، فيكون المعنى: مُفْسِدُونَ ما أظهَروا بألسنتهم مِما أضمَرُوا في قلوبهم. وقيلَ: معناهُ: يخادعونَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كقولهِ تعالى: { فَلَمَّآ آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ } [الزخرف: 55] أي آسَفوا نَبيَّنَا. وقَوْلُهُ تَعَالَى: { الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } [الأحزاب: 57] أي أولياءَ الله ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يؤذَى ولا يُخادَع. وقد يكون المفاعلةُ من واحد كالمسافَرَة.

فإن قِيْلَ: ما وجهُ مخادعتِهم اللهَ ؛ وهو لا يَخفى عليه شيء ؟ وما وجهُ مخادعةِ المؤمنين ومخادعةِ أنفسهم ؟ قيل: المخادعةُ الإخفاءُ ، يقال: انخدعَتِ الضَّبيةُ في جُحرها. واللهُ تعالى لا يخادَع في الحقيقةِ ، ولكن أطلقَ عليه اسمُ المخادعةِ لَمَّا فعَلُوا فعلَ المخادِعين. ولو كان يصحُّ لَهم خِداعُهم لقالَ: يَخْدَعُونَ اللهَ. وَقِيْلَ: معناهُ: يخادعونَ رسولَ اللهِ.

وأما مخادعةُ المؤمنينَ ، فإظهارُهم لَهم الإسلامَ تُقْيَةً ؛ وَقِيْلَ: إظهارُ الإسلامِ لَهم ليكرِمُوهم ويبجِّلوهم. وَقِيْلَ: أظهَروا لَهم ذلك لِيُفْشُوا إليهم سرَّهُم فينقلوهُ إلى أعدائِهم. وأمَّا مخادعةُ أنفُسِهم فضررُ ذلك عليهم. قَالَ اللهُ تَعَالَى: { وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم } ؛ لأنَّ وبالَ الخداعِ عائدٌ إلى أنفسهم فكأنَّهم في الحقيقة إنَّما يخدعونَ أنفسهم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَا يَشْعُرُونَ } ؛ أي وما يعلمون أنهُ كذلك. والشعرُ: هو العلمُ الدقيقُ الذي يكون حادِثًا من الفطنةِ ؛ وهو من شِعَار القلب ؛ ومنه سُمي الشاعرُ شاعرًا لفطنتهِ لما يدقُّ من المعنى والوزنِ ، ومنه الشعرُ لدقَّتهِ. ويقال: ما شَعَرْتُ به ؛ أي ما عَلِمْتُ بهِ. وليتَ شِعْرِي ما صنعَ فلانٌ ؛ أي ليتَ عِلْمِي.

واختلف القرَّاءُ في قولهِ تعالى: { وَمَا يَخْدَعُونَ } فقرأ نافعُ ؛ وابن كثير ؛ وأبو عمرٍو: (يُخَادِعُونَ) بالألفِ. وقرأ الباقون: (يَخْدَعُونَ) بغير ألِف على أشهرِ اللغتين وأفصحِهما ؛ واختارهُ أبو عُبيدٍ. ولا خلافَ في الأول أنه بالألفِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت