قوله عَزَّ وَجَلَّ: { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } ؛ قال ابنُ عباس:"وَذلِكَ أنَّ وَفْدَ نَصَارَى نَجْرَانَ: أسَيْدُ وَالْعَاقِبُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِهِمْ جَاؤوا إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُمُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"أسْلِمُوا"فَقَالُواْ: أسْلَمْنَا قَبْلَكَ ، فَقًَالَ صلى الله عليه وسلم:"يَمْنَعُكُمْ مِنَ الإسْلاَمِ ثَلاَثٌ: أكْلُكُمُ الْخِنْزِيْرَ ؛ وَعِبَادَتُكُمُ الصَّلِيْبَ ، وَقَوْلُكُمْ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدٌ"فَقَالُواْ لَهُ: مَا لَكَ تَشْتُمُ صَاحِبَنَا ؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم:"وَمَا أقُولُ ؟"قَالُوا: تَقُولُ إنَّهُ عَبْدُ اللهِ ، قَالَ:"أجَلْ ؛ هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ ألْقَاَهَا إلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ"فَغَضِبُواْ وَقَالُواْ: هَلْ رَأَيْتَ إنْسَانًا قَطّ مِنْ غَيْرِ أبٍ؟!"فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } أي صفةُ خَلْقِ عيسى بلاَ أبٍ كصفةِ خلقِ آدمَ ، خلقَهُ من ترابٍ مِن غير أبٍ ولا أمٍّ ثُم قالَ لآدمَ: كُنْ ؛ فَكَانَ. وأرادَ اللهُ تعالى بهذه الآيةِ أنَّ كون الولدِ مِن غير أبٍ ليسَ بأعجبَ مِنْ كونِ الإنسانِ لغير أبٍ وأمٍّ ، وَقَد خلقَ اللهُ آدمَ من غير أبٍ وأمٍّ.
وفي هذه الآيةِ دلالةٌ على صحَّة القياسِ ؛ لأنه لو لَم يَصِحْ القياسُ لم يكنِ اللهُ يجيبُ به ، وفيها دليلٌ على جواز قياسِ الشيء بالشَّيء من وجهٍ دون وجهٍ ؛ لأن اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إنَّما شَبَّهَ عيسى بآدَمَ في كونهِ من غيرِ أبٍ ؛ لا في كَونه من غير أمٍّ ؛ ولا في خَلْقِهِ من التُّراب.
فإنْ قيل: َ هَلاَّ قالَ اللهُ تعالى: (كُنْ فَكَانَ) فإنَّ آدمَ قد انقضَى كونُه وقد أخبرَ عنهُ بالمستقبلِ ؟ قيل: إنَّ الفعلََ الماضي منقطعٌ والمضارعَ متَّصلٌ ؛ وذلك يقالُ: يروى عن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنهُ فَعَلَ كذا فكان فعل كُن لأنه لا يقتضِي التَّكرار ، وما رويَ أنه كَانَ يَفْعَلُ كذا فإنهُ على التِّكرار دونَ الانقطاعِ. ثُمَّ فِعْلُ الله يُبنى على الْمُهْلَةِ ويَحْدُثُ على التَّدريج ، ألا ترَى أنه خَلَقَ السموات والأرضَ في ستَّة أيامٍ ، وكذلك بَدَتِ الحياةُ في آدمَ على التدريجِ ، وكذلك أمرُ عيسى على التدريجِ كان يبدأ شيئًا فشيئًا ؛ فأخبرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عن ذلكَ بفعلٍ دائم.