فهرس الكتاب

الصفحة 1105 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ؛ أي إن الذين آمَنوا بتوحيدِ الله وبمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم والقُرآنِ وهاجَرُوا من مكَّة إلى المدينةِ وجاهَدُوا العدوَّ بأموالِهم وأنفُسِهم في طاعةِ اللهِ.

ثُمَّ ذكرَ اللهُ الأنصارَ فقال: { وَالَّذِينَ آوَواْ } ؛ النبيَّ والمهاجرين معَهُ أعطَوهُم المأوَى وأنزَلُوهم ديارَهم ، { وَّنَصَرُواْ } ؛ أي أعَانُوهم بالسَّيْفِ على الكفَّارِ ، { أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } ؛ أي أنصارُ بعضٍ في الدِّين والمواريثِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ } ؛ أي والذين صدَّقُوا من أهلِ مكَّة في ديارِهم ولَم يُهاجِرُوا إلى المدينةِ ، { مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ } ؛ أي ليس بينَكُم وبينهم ميراثٌ ، { حَتَّى يُهَاجِرُواْ } ؛ وإطلاقُ لفظ الموالاةِ يقتضي التوارثَ في الجملةِ ، وإن كان بعضُ أسباب الموالاة أوكدَ من بعضٍ.

قال ابنُ عبَّاس: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَامَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامِ وَأُنَّاسٌ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؛ قَالُواْ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ لاَ يَرِثُنَا إخْوَانُنَا وَهُمْ عَلَى دِينِنَا مِنْ أجْلِ أنَّهُمْ لَمْ يُهَاجِرُوا ؟ فَهَلْ نُعِينُهُمْ عَلَى أمْرٍ إن اسْتَعَانُونَا علَيْه ؟ فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: { وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ } .

معناهُ: وإن قاتَلَهم الكفارُ ليَردُّوهُم عنِ الإِسلامِ فانصرُوهم ، { إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ } ؛ إلاَّ أن يقاتِلُوا قومًا ، { بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ } ؛ فاستنصرُوكم عليهم فلَم تقاتِلُوهم معهم ، بل عليهم أن يكُفُّوا عن طلب النُّصرة منكم لهم عليهم ؛ لأنه أمانٌ ، وأمانُ واحدٍ من المسلمين يلزمُ كافَّتهم ، فيجبُ الإصلاحُ بينهم على غيرِ وجه القتال. وقولهُ تعالى: { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ، أي بصيرٌ بأعمالِكم ، يجازِيكم عليها.

قال ابنُ عبَّاس: فَمَكَثُواْ عَلَى هَذا مَا شَاءَ اللهُ إنْ يَمْكُثُواْ ، ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } ؛ أيْ أنْصَارُ بَعْضٍ فِي الدِّينِ ، وَبَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْضٍ فِي الْمِيرَاثِ. يعني أنَّ الكافرَ لا يرثُ المؤمنَ الذي لم يهاجِرْ ، بلِ الكافرُ يرثُ من الكافرِ ، والمؤمنُ يرِثُ المؤمنِ ، فصارت هذه الآيةُ ناسخةً للتي قبلَها.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } أي إلاَّ تفعلُوا ما أمَرتُكم به ولم تُورِثُّوا الأعرابيَّ الذي لَمْ يهاجِرْ من المهاجرِ ، ولم تجعلُوا وولايةَ الكافرِ للكافر وولايةَ المؤمن للمؤمنِ ، { تَكُنْ فِتْنَةٌ } أي بالْمَيْلِ إلى الضَّلالةِ وفسادٍ في الدِّين ، فإن الكفارَ بعضُهم أولياء بعضٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت