فهرس الكتاب

الصفحة 2534 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ } ؛ واسْمُها بلقيسُ بنتُ الشَّرْحِ ، وَقِيْلَ: شِراحيلُ بن ذي جَدَن ، وكان مَلِكًا عظيمَ الشَّأنِ ، وكان قد مَلَكَ أرضَ اليمنِ كلِّها ، وكان يقولُ لِمُلوكِ الآفاقِ: ليس أحدٌ منكم كُفْؤٌ لِي ، وأبى أن يتزوج منهم ، فزوَّجُوهُ امرأةً من الجنِّ يقالُ لَها: ريحانة بنتُ السكن ، فولدت بَلْقِيْسَ ، ولَم يكن لهُ ولدٌ غيرَها.

وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ:"كَانَ أحَدُهُمْ يُؤْتَى بَلْقِيْسَ جِنِّيًّا"فَلَمَّا مَاتَ أبُوهَا وَلَمْ يُخَلِّفْ أحَدًا غَيْرَهَا طَمِعَتْ فِي الْمُلْكِ ، فَطَلَبَتْ مِنْ قَوْمِهَا أنْ يُبَايعُوهَا ، فَأَطَاعَهَا قَوْمٌ وَعَصَاهَا قَوْمٌ آخَرُونَ ، وَاخْتَارُواْ عَلَيْهَا رَجُلًا فَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ ، فَافْتَرَقُواْ فِرْقَتَيْنِ ، كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ اسْتَوْلَتْ بمُلْكِهَا عَلَى طَرَفٍ مِنْ أرْضِ الْيَمَنِ.

ثُمَّ إنَّ هَذا الْمَلِكَ الَّذِي مَلَّكُوهُ أسَاءَ السِّيْرَةَ فِي أهْلِ مَمْلَكَتِهِ حَتَّى كَانَ يَمُدُّ يَدَهُ إلَى حُرَمِ رَعِيَّتِهِ وَيَفْجُرُ بهِنَّ ، فَأَرَادَ أصْحَابُهُ أنْ يُخْرِجُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُواْ ، فَلَمَّا رَأتْ بَلْقِيْسُ ذلِكَ أدْرَكَتْهَا الْغَيْرَةُ ، فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ تَعْرِضُ نَفْسَهَا عَلَيْهِ ، فَأَجَابَهَا إلَى ذلِكَ ، وَقَالَ: مَا مَنَعَنِي أنْ أبْدَأكِ بالْخِطْبَةِ إلاَّ الْيَأْسُ مِنْكِ ، فَقَالَتْ: إنِّي رَاغِبَةٌ إلَيْكَ لأَنَّكَ كُفْؤٌ كَرِيْمٌ ، فَاجْمَعْ رجَالَ قَوْمي فَاخْطِبْنِي إلَيْهِمْ ، فَجَمَعَهُمْ فَخَطَبَهَا إلَيْهِمْ فَقَالُواْ: لاَ نَرَاهَا تَفْعَلُ هَذا ، قَالَ: إنَّهَا هِيَ الَّتِي ابْتَدَأتْنِي ، فَذكَرُواْ لَهَا ذلِكَ ، فَقَالَتْ: نَعَمْ ؛ لأَجْلِ الْوَلَدِ ، وَلَمْ أزَلْ كُنْتُ كَارهَةً لِذلِكَ ، فَالآنَ قَدْ رَضِيْتُ ، فَزَوَّجُوهَا مِنْهُ.

فَلَمَّا زُفَّتْ إلَيْهِ خَرَجَتْ فِي نَاسٍ كَثِيْرٍ مِنْ خَدَمِهَا وَحَشَمِهَا ، فَلَمَّا جَاءَتْهُ سَقَتْهُ الْخَمْرَ حَتَّى سَكِرَ ، ثُمَّ حَزَّتْ رَأسَهُ وَانْصَرَفَتْ مِنَ اللَّيْلِ إلَى مَنْزِلِهَا ، فَلَمَّا أصْبَحَ رَأوا الْمَلِكَ قَتِيْلًا وَرَأسُهُ مَنْصُوبًا عَلَى رَأسِ دَارهَا ، فَعَلِمُواْ أنَّ تِلْكَ الْمُنَاكَحَةَ كَانَتْ مَكْرًا وَخَدِيْعَةً مِنْهَا ، فَاجْتَمَعُواْ إلَيْهَا وَقَالُواْ لَهَا: أنْتِ أحَقُّ بهَذا الْمُلْكِ مِنْ غَيْرِكِ ، فَقَالَتْ: لَوْلاَ الْعَارُ وَالشَّنَارُ مَا قَتَلْتُهُ ، وَلَكِنْ عَمَّ فَسَادُهُ وَأَخَذتْنِي الْحَمِيَّةُ حَتَّى فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ ، فَمَلَّكُوهَا فَأَسَّسَتْ أمْرَهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ } ؛ قال عطاءُ: (مِنْ زيْنَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ وَالْجُنُودِ) ، { وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } ، أي سريرٌ من ذهَبٍ طولهُ ثَمانونَ ذِرَاعًا وعَرْضُهُ أربعونَ ذِراعًا وارتفاعهُ في السَّماء ثلاثونَ ذِراعًا مضروبٌ بالذهب مُكَلَّلٌ بالدُّرِّ والياقوتِ الأحمرِِ والزُّبُرْجُدُ الأخضرُ. قال مجاهدُ: (وَكَانَ تَحْتَهَا اثْنَا عَشَرَ ألْفَ قَيْلٍ - وَالْقَيْلُ بلُغَةِ الْيَمَنِ - تَحْتَ يَدَي كُلِّ قَيْلٍ ألْفُ مُقَاتِلٍ) . وَقِيْلَ: كان سريرُها له أربعُ قوائمَ: قائمةٌ من ياقوتٍ أخضر ، وقائمةٌ من ياقوتٍ أحمر ، وقائمةٌ من زمُرُّد ، وقائمةٌ من دُرٍّ ، وصفائحُ السريرِ من ذهبٍ ، وعليه سبعةُ أبياتٍ لكلِّ بيتٍ بابٌ مغلَقٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت