قَوْلُهُ تَعَالَى: { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } ؛ أي تسعةَ عشرَ من الزَّبانيةِ الموكَّلين بتعذيب أهلها ، جاءَ في الحديثِ:"إنَّ أعْيُنَهُمْ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ ، وَأنْيَابَهُمْ كَصَيَاصِيِّ الْبَقَرِ ، يَخْرُجُ لَهَبُ النَّار مِنْ أفْوَاهِهِمْ ، مَا بَيْنَ مَنْكِبَي أحَدِهِمْ مَسِيرَةُ سَنَةٍ ، يَسَعُ كَفُّ أحَدِهِمْ مِثْلَ رَبيعَةَ وَمُضَرَ ، نُزِعَتِ الرَّحْمَةُ مِنْ قُلُوبهِمْ ، يُسَرُّونَ بتَعْذِيب أهْلِ النَّار ، يَدْفَعُ أحَدُهُمْ سَبْعِينَ ألْفًا فَيَرْمِيَهُمْ حَيْثُ أرَادَ مِنْ جَهَنَّمَ"وقال صلى الله عليه وسلم:"لأَحَدِهِمْ مِثْلُ قُوَّةِ الثَّقَلَيْنِ"وقال عمرُو بن دينارٍ: (( يَدْفَعُ أحَدُهُمْ بالدَّفْعَةِ الْوَاحِدَةِ فِي جَهَنَّمَ مِثْلَ رَبيعَةَ وَمُضَرَ ) ).
قال ابنُ عبَّاس والضحاك: (( لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَ أبُو جَهْلٍ: أمَا لِمُحَمَّدٍ مِنَ الأَعْوَانِ إلاَّ تِسْعَةَ عَشَرَ يُخَوِّفُكُمْ بهِمْ وَأنْتُمُ الدَّهْمُ - يَعْنِي الْعَدَدَ الْكَثِيرَ - فَتَعْجَزُ كُلُّ مِائَةِ رَجُلٍ مِنْكُمْ أنْ تَبْطِشَ بَواحِدٍ مِنْهُمْ ، ثُمَّ تَخْرُجُونَ مِنَ النَّار؟! ) ).
ورُوي: أنَّ أبَا جَهْلٍ قَالَ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أنْتُمُ الدَّهْمُ الشُّجْعَانُ فَتَعْجَزُ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنْكُمْ أنْ يَبْطُشُوا بخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُمْحٍ يُقَالُ لَهُ كَلَدَةُ بْنُ أسَدٍ: أنَا أكْفِيكُمْ يَا أهْلَ مَكَّةَ سَبْعَةَ عَشَرَ ؛ أحْمِلُ عَشْرَةً مِنْهُمْ عَلَى ظَهْرِي ، وَسَبْعَةً عَلَى صَدْري ، فَاكْفُونِي أنْتُمُ اثْنَيْن!
ورُوي: أنَّهُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَأَنَا أمْشِي بَيْنَ أيْدِيكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ فَأَدْفَعُ عَشْرَةً بمَنْكِبي الأَيْمِنِ ، وَتِسْعَةً بمَنْكِبي الأَيْسَرِ فِي النَّار ، فَنَمْضِي نَدْخُلُ الْجَنَّةَ! فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى قولَهُ: { وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلَائِكَةً } ؛ أي ما جعَلنا خُزَّانَها إلاَّ ملائكةً ، ومن المعلومِ أنَّ الْمَلَكَ الواحدَ إذا كان كافِيًا لقبضِ أرواحِهم ، كان تسعةَ عشرَ مَلكًا أكفَى ، ألاَ ترى أنَّ مَلكًا واحدًا وهو ملَكُ الموتِ يقبضُ أرواحَ الخلق كلِّهم ؟ فكيف يعجزُ تسعةَ عشرَ مَلكًا عن تعذيب الناس؟!.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ } ؛ أي ما جعَلنا عدَدَهم في القلَّة إلاّ محنةً لكفَّار مكة لِجَهلِهم بالملائكةِ وتوَهُّمهم أنَّهم كالبشرِ ، والمعنى: وما جعَلنا عدَّة هؤلاءِ الملائكة مع قِلَّتهم في العددِ إلاَّ ضلالةً للَّذين كفَرُوا حتى قالوا ما قالوهُ من التكذيب ، وقالَ كَلَدَةُ بن أسدٍ: أنا أكفيكُم سبعةَ عشر فَاكفُونِي أنتمُ اثنين.
وقولهُ تعالى: { لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ } ؛ أي ليعلمَ اليهودُ والنصارَى بذلك صحَّة نبوَّةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حين يَجِدُونَ ما أتَى به مُوافقًا لِمَا في التَّوراةِ والإنجيل ، فإنَّ عددَ هؤلاءِ الْخََزَنَةِ في كُتبهم تسعةَ عشرَ ، فيعلمون أنَّ ما أتَى به مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم موافقٌ لِمَا عندَهم. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيمَانًا } ؛ أي ولكي يزدادَ المؤمنون تَصدِيقًا على تَصدِيقهم لتصديقِ أهلِ الكتاب لذلكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ } ؛ أي ؛ ولئَلاَّ يَشُكَّ الذين أُوتوا الكتابَ في أمرِ القرآن ، ولا يشكَّ المؤمنون بالتدبُّر والتفكُّر فيه.