فهرس الكتاب

الصفحة 2866 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ } ، معناه: إنا عرَضنا الأمانةَ التي هي الشرائعُ والفرائض التي يتعلَّقُ بأدائها الثوابُ وبتركها العقاب. قال ابنُ عباس: (عُرِضَتِ الأَمَانَةُ عَلَى السَّمَوَاتِ السَّبْعِ الَّتِي زُيِّنَتْ بالنُّجُومِ وَحَمَلَتِ الْعَرْشَ الْعَظِيْمَ ، فَقِيْلَ لَهُنَّ بأَخْذِ الأَمَانَةِ بَما فِيهَا ، قُلْنَ: وَمَا فِيهَا ، قِيلَ: إنْ أحْسَنْتُنَّ جُزِيتُنَّ ، وَإنْ أسَأْتُنَّ عُوقِبْتُنَّ ، قُلْنَ: لاَ. ثُمَّ عُرِضَتِ الأَمَانَةُ عَلَى الْجِبَالِ الصُّمِّ الشَّوَامِخِ الصِّلاَب الْبَوَاذِحِ) ، { فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } . قال ابنُ جريج: (قَالَتِ السَّمَاءُ: يَا رَب خَلَقْتَنِي وَجَعَلْتَنِي سَقْفًا مَحْفُوظًا ، وَأجْرَيتَ فِيَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ ، لاَ أعْمَلُ فرِيضَةً وَلاَ أبْتَغِي ثَوَابًا. وَقَالَتِ الأَرْضُ: يَا رَب جَعَلْتَنِي بسَاطًا وَمِهَادًا ، وَشَقَقْتَ فِيَّ الأَنْهَارَ ، وَأنْبَتَّ فِيَّ الأَشْجَارَ ، لاَ أتَحَمَّلُ فَرِيضَةً وَلاَ أبْتَغِي ثَوَابًا وَلاَ عِقَابًا) .

ومعنى قولهِ: { فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا } أي مخافةً وخِشيَةً لا معصيةً ولا مخالفة ، والعرضُ كان تَخييرًا لا إلزامًا ، قولهُ: { وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } أي خِفْنَ من الأمانةِ أن لا توفِّيها ، فيلحقهُنَّ العقابُ ، فأَبَوا ذلك تَعظيمًا لدِين الله وخَوفًا أن لا يقوموا به ، وقالوا: نحنُ مسخَّرات لأمرِكَ لا نريدُ ثَوابًا ولا عقابًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } ، يعني: وحَملَها آدمُ عليه السلام قال الله له: يا آدمُ إني عرضتُ الأمانةَ على السَّموات والأرض والجبالَ فأبَين أن يحمِلنَها ولم يُطِقْنَها ، فهل أنتَ آخذُها بما فيها ؟ قال: يا رب وما فيها ؟ قال: إنْ أحسنتَ جُزِيتَ ، وإنْ أسأتَ عُوقِبْتَ. فتحمَّلها آدمُ ، وقال: حَمَلتُها بين أذُنَيَّ وعاتِقي.

قال ابنُ عباس: (عَرَضَ اللهُ عَلَى آدَمَ أدَاءَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي مَوَاقِيتِهَا ، وَأدَاءَ الزَّكَاةِ عِنْدَ مَحِلِّهَا ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ ، وَحِجِّ الْبَيْتِ ، عَلَى أنَّ لَهُ الثَّوَابَ وَعَلَيْهِ الْعِقَابَ ، فَقَالَ: بَيْنَ أُذُنَيَّ وَعَاتِقِي) .

وقال مقاتل: (قَالَ اللهُ تَعَالَى لآدَمَ: أتَحْمِلُ هَذِهِ الأَمَانَةَ وَتَرْعَاهَا حَقَّ رعَايَتِهَا ؟ فَقَالَ آدَمُ: وَمَا لِي عِنْدَكَ ؟ قَالَ: إنْ أحْسَنْتَ وَأطَعْتَ وَرَعَيْتَ الأَمَانَةَ ، فَلَكَ الْكَرَامَةُ وَحُسْنُ الثَّوَاب فِي الْجَنَّةِ ، وَإنْ عَصَيْتَ وَأَسَأْتَ مُعَذِّبُكَ وَمُعَاقِبُكَ. قَالَ: قَدْ رَضِيتُ يَا رَب ، وَتَحَمَّلَهَا. فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَدْ حَمَّلْتُكَهَا. فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } .

قال الكلبيُّ: (ظُلْمُهُ حَيْثُ عَصَى رَبَّهُ وَأُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَجَهْلُهُ حَيْثُ تَحْمَّلَهَا) . وقال مقاتلُ: (ظَلُومًا لِنَفْسِهِ ، جَهُولًا بعَاقِبَةِ مَا حُمِّلَ) . وقال مجاهدُ: (لَمَّا خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَالْجِبَالَ ، عُرِضَتِ الأَمَانَةُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَقْبَلْهَا فَلَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَرَضَهَا عَلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ تَحَمَّلْتُهَا يَا رَب. قال مجاهدُ: فَمَا كَانَ بَيْنَ أنْ تَحَمَّلَهَا وَبَيْنَ أنْ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ إلاَّ قَدْرَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ وَالظُّهْرِ) .

وعن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: (إنَّ اللهَ قَالَ لآدَمَ: إنِّي عَرَضْتُ الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَلَمْ يُطِقْنَهَا ، فَهَلْ أنْتَ حَامِلُهَا بمَا فِيهَا ؟ قَالَ: يَا رَب وَمَا فِيهَا ؟ قَالَ: إنْ حَفِظْتَهَا أُجِرْتَ ، وَإنْ ضَيَّعْتَهَا عُوقِبْتَ ، قَالَ: قَدْ تَحَمَّلْتُهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت