فهرس الكتاب

الصفحة 881 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَيَآءَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ } ؛ أي اسْكُنْ أنتَ وزوجَتُكَ الجنَّةَ ؛ لأن الإضافةَ إليه دليلٌ على ذلكَ ، وحذفُ التاءِ أحسنُ ؛ لِما فيه من الإيجاز من غيرِ إخلالٍ بالمعنى. وأمَّّا الجنَّةُ التي أسْكَنَهُمَا اللهُ فيها ؛ فهي جَنَّةُ الْخُلْدِ في أكثرِ أقوال أهلِ العلم ، بخلاف ما يقولهُ بعضُهم: إنَّهَا كَانَتْ بُسْتانًا في السَّماءِ غيرَ جنَّةِ الْخُلْدِ. وذلكَ أنَّ اللهَ تعالى عَرَّفَ الجنَّةَ بالألفِ واللام على جهةِ التَّشريفِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا } ؛ أي مِن أيِّ شيءٍ شِئْتُمَا مُوسِعًا عليكُما ، { وَلاَ تَقْرَبَا هَـاذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ } ؛ يجوزُ أن يكونَ منصوبًا ؛ لأنَّهُ جوابُ النَّهِيِ ، ويجوزُ أن يكون مَجْزُومًا عَطْفًا على النَّهيِ ، ومعناهُ: فتكونا من الضَّارِّيْنَ أنفُسَكما.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـاذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ } ؛ أي زَيَّنَ لَهم الشيطانُ الأكلَ من الشجرةِ ؛ لِيُظْهِرَ لَهما ما سُتِرَ من عَوْراتِهما. وَالْوَسْوَسَةُ: إلْقَاءُ الْمَعْنَى إلَى النَّفْسِ بصَوْتٍ خَفِيٍّ. والفرقُ بينَ وَسْوَسَ لهُ وَوَسْوَسَ إليهِ: أنَّ معنى وَسْوَسَ لَهُ: أوْهَمَهُ ، ومعنى وَسْوَسَ إليهِ: ألْقَى إلَيْهِ.

وإنَّما سُميت العورةُ سَوْأةً ، لأنه يَسُوءُ الإِنسانَ انكِشَافُها. قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ } قرأ بعضُهم: (مَلِكَيْنِ) بكسرِ اللاَّم ، ومعناهُ: إلاَّ أنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ تَعْلَمَانِ الخيرَ والشَرَّ ، وإن لم تكونَا ملَكين تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ لا تَموتان.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ } ؛ أي لا تَموتان فَتَفْنَيَانِ أبَدًا ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ ياآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ } [طه: 120] أي على شَجَرَةٍ مَن أكلَ منها لَمْ يَمُتْ. وقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى } [طه: 120] أي جديدٌ لا يَفْنَى. وعلى قراءةِ مَنْ قرأ (مَلِكَيْنِ) بكسرِ اللاَّمِ استدلالًا لهُ بقولهِ تعالى: { هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى } [طه: 120] .

قِيْلَ: كيفَ أوهَمَهُما أنَّهما إذا أكَلاَ من تلكَ الشجرةِ تغيَّرت صورتُهما إلى صورةِ الْمَلَكِ ، أو يزدادُ في حياتِهما ؟ قِيْلَ: أوْهَمَهُمَا أنَّ من حكمةِ الله أن مَن أكَلَ منها صارَ مَلَكًا أو ليزيدَ حياتَهُ. وقِيْلَ: إنَّهُ لم يُطْمِعْهُمَا في أن تصيرَ صورتُهما كصورةِ الْمَلَكِ ، وإنَّما أطْمَعْهُمَا في أن تصيرَ مَنْزِلَتُهُمَا مَنْزِلَةَ الْمَلَكِ في العُلُوِّ والرِّفْعَةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ } ؛ أي حَلَفَ لَهُمَا إنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فيما أقولُ. وإنَّما قال: { وَقَاسَمَهُمَآ } على لفظ المُفَاعَلَةِ ؛ لأنهُ قَابَلَهُمَا بالحلفِ ، وهذا كما يقالُ: عَاقَبْتُ اللِّصَّ ؛ ونَاوَلْتُ الرَّجُلَ.

قال قتادةُ: (حَلَفَ لَهُمَا حَتَّى خَدَعَهُمَا ، وَقَدْ يُخْدَعُ الْمُؤْمِنُ باللهِ تَعَالَى ، وَقَالَ لَهُمَا: إنِّي خُلِقْتُ قَبْلَكُمَا ، وَأَنَا أعْلَمُ مِنْكُمَا ، فَاتَّبعَانِي أُرْشِدْكُمَا) . وكان بعضُ العلماءِ يقولُ: (مَنْ خَادَعَنَا باللهِ خَدَعَنَا) . وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت