قولهُ: { فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ } ؛ قال أكثرُ أهلِ العلم: هذا خطابٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمرادُ به غيرهُ من الشُّكَّاكِ ، ومثل ذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ } [الأحزاب: 1] الخطابُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم والمرادُ به غيرهُ بدليلِ قوله: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } [النساء: 94] ، ولم يقُل بما تعملُ ، قال الزجَّاج: (إنَّ اللهَ يُخَاطِبُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وَذلِكَ الْخِطَابُ شَامِلٌ لِلْخَلْقِ ، فالمعنى: فإن كنتُم في شكٍّ فاسأَلُوا) .
وقال ابنُ عبَّاس: (لَمْ يُرِدْ بهِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ لأنَّهُ لَمْ يَشُكَّ فِي اللهِ وَلاَ فِي مَا أوْحَى إلَيْهِ ، لَكِنْ أرَادَ مَنْ آمَنَ بهِ وَصَدَّقَهُ فِي أمْرِهِمْ أنْ يَسْأَلُوا لِئَلاَّ يُنَافِقُوا كَمَا شَكَّ الْمُنَافِقُونَ) . وعن ابنِ عبَّاس أنه قالَ: (وَذلِكَ أنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالُوا: إنَّ هَذا الْقُرْآنَ الَّذِي يَجِيءُ إلى مُحَمَّدٍ مَا يُلْقِيهِ الشَّيَاطينُ إلَيْهِ! فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) .
وَأَرَادَ بالَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مُؤْمِنِي أهْلِ الْكِتَاب عَبْدِاللهِ بْنِ سَلاَمٍ وَأصْحَابهِ ، فَإنَّهُمْ يَسُتْخِبُرونَكَ أنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ، فَقَالَ النَّبيُّّ:"لاَ أسْأَلُ أحَدًا وَلاَ أشُكُّ فِيْهِ بَلْ أشْهَدُ أنَّهُ الْحَقُّ"وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم أعلمَ باللهِ تعالى وأشدَّ يقينًا من أن يسألَهم ، وإنَّّما التقديرُ: فإن كنتَ في شكٍّ أيُّها السامعُ مما أنزَلنا على نبيِّكَ. ومِن عادةِ العرب أنَّهم يُخاطِبون الرجلَ بشيءٍ يريدون به غيرَهُ كما قالوا: إيَّاكِ أعْنِي واسمعي يا جارةُ.
وكانت الناسُ على عهدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ثلاثَ مراتب: مؤمنٌ ؛ وكافر ؛ وشاكٌّ ، فخاطبَ الله بهذه الآية الشاكَّ أمَرَهُ بسُؤال الذين يقرَءُون الكتابَ من قَبْلِهِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم المبَشَّر به حتى إذا وافقت صفتهُ في الكتاب المنَزَّل له قَبلَ القرآن صفةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على الشَّاكِّ هو المبشَّر به.
قوله: { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ؛ الشَّاكِّين في الحقِّ ، وما في الآيةِ ظاهرُ المعنى.