فهرس الكتاب

الصفحة 1363 من 4495

قولهُ: { وَقِيلَ ياأَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ وَياسَمَآءُ أَقْلِعِي } ؛ أي قِيْلَ بعدَ ما تناهى أمرُ الطُّوفان ، وذلك لِمَا روى ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: (أنَّ السَّمَاءَ مَطَرَتْ أرْبَعِينَ يَوْمًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، وَخَرَجَ مَاءُ الأَرْضِ أرْبَعِينَ يَوْمًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، وَسَارَتْ بهِمُ السَّفِينَةُ فَطَافَتْ بهِمُ الأَرْضَ كُلَّهَا فِي خَمْسَةِ أشْهُرٍ لاَ تَسْتَقِرُّ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى أتَتِ الْحَرَمَ فَلَمْ تَدْخُلْهُ ، وَطَافَتْ بالْحَرَمِ أُسْبُوعًا ، وَرُفِعَ الْبَيْتُ الَّذِي بَنَاهُ آدَمُ إلَى السَّمَاءِ ، وَهُوَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ، جُعِلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ عَلَى أبي قُبَيْسٍ ، وَأُوْدِعَ فِيْهِ ، ثُمَّ ذهَبَتْ بهِمُ السَّفينَةُ في الأَرْضِ حَتَّى انْتَهَتْ بهِمْ إلَى الْجُودِيِّ وَهُوَ جَبَلٌ بَأَرْضِ الْمَوْصِلِ ، فََاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ بَعْدَ خَمْسَةِ أشْهُرٍ) . ويقالُ: رَكِبَ نوحُ في السفينةِ لعشرٍ مضَين من رجب ، وخرجَ منها يومَ عاشوراء ، فذلك خمسةُ أشهر.

فلما استقرَّت السفينةُ على الْجُودِيِّ كشفَ نوح الطبقَ الذي فيه الطيرُ ، فبعثَ الغرابَ ليأتيه بالخبرِ فأبصرَ جِيفَةً ، فوقعَ عليها وأبطأَ على نوحٍ ولم يأتهِ ، فأرسلَ الْحَدْأَةَ على إثرهِ فأبطأت عليه ولم تأته ، فدعَا على الغراب أن يكون طويلَ العمر في مخافةٍ وشَقَاء. ثم أرسلَ الحمامة بعد الحدأة بسبعٍ فلم تجِدْ مَوقِعًا فرجعت ، فبسطَ لها نوحُ عليه السلام كفَّهُ فوقعت عليهِ ، ثم مكثَ نوح ما شاءَ الله ، ثم أرسلَها مرَّة أخرى فجاءت بعدَ ذلك فوقعت على الأرضِ وغابَت رجلاَها في الطِّين ، فعرفَ نوحٌ أن الأرضَ قد ظَهرت ، فدعَا بها فقالَ: كونِي آنَسَ طيرٍ وأنعمَهُ وأكيَسَهُ.

وقوله تعالى: { وَقِيلَ ياأَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ } أي انْشِفِي الماءَ الذي خرجَ منكِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَياسَمَآءُ أَقْلِعِي } أي كُفِّي عن الصَّب ، يقال: أقلعَتِ السماءُ إذا استمسكَ المطرُ حتى لم يبقَ له أثرٌ ، وأقلعَتِ الْحُمَّى عن فلانٍ إذا تركتْهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَغِيضَ الْمَآءُ } ؛ أي ونَشِفَ الأرض ماؤُها ، ويقال غاضَ الماءُ يَغِيضُ إذا غَارَ في الأرضِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَقُضِيَ الأَمْرُ } ؛ أي وقعَ هلاكُ الكفار على التَّمامِ ، هَلَكَ مَن هلكَ ، ونَجا مَن نَجَا. قال ابنُ عبَّاس: (نَشَّفَتِ الأَرْضُ مَاءَهَا الَّذِي خَرَجَ مِنْهَا ، وَذهَبَ مَاءُ السَّمَاءِ إلَى الْبُحُورِ ؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ { ياأَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ } ) .

قولهُ: { وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ } ؛ أي استوَتِ السفينةُ على الجوديِّ شَهرًا ، وهو جبلُ بالجزيرةِ ، { وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ؛ يجوزُ أن يكون معناه: قَالَ اللهُ تَعَالَى: { بُعْدًا } أي سخطٌ من رحمة الله للقوم الكافرين ، ويجوز أن يكون هذا مِن قول أهلِ السفينة حين نَجَوا من الغرقِ ، وخرَجُوا من السفينةِ ، قالوا: { بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي أبعَدَهم اللهُ من رحمتهِ في الآخرة أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت