فهرس الكتاب

الصفحة 631 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (وَذَلِكَ أنَّ مُوسَى عليه السلام غَضِبَ مِنْ مَقَالَةِ قَوْمِهِ ، وَكَانَ رَجُلًا حَدِيْدًا فَقَالَ: { رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي } ولا أمْلِكُ إلاَّ أخِي ، يعني لا يُطِيْعُنِي مِن هؤلاءِ إلاَّ أخِي هَارُونُ ، { فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } أي اقْضِ وَافْصِلْ بيننا وبينَ القوم العَاصِيْنَ.

وكَانَتْ عَجَلَةً عَجَّلَهَا مُوسَى عليه السلام ، فأوحَى الله إلى موسى: إلَى مَتَى يَعْصِيني هذا الشعبُ وإلى متَى لا يُصَدِّقُونَ بالآياتِ ، لأُهْلِكَنَّهُمْ وَاجْعَلَنَّ لكَ شَعْبًا أشَدَّ وأكثرَ منهم. فقال: إلَهِي لو أنَّكَ أهلكتَ هذا الشَّعبَ من أجْلِ أنَّهم لن يستطيعُوا أن يدخلوا هذه الأرضَ فتقتلُهم في البَرِّيَةِ وأنت عظيمٌ عَفْوُكَ كثيرٌ نِعْمَتُكَ وأنتَ تغفرُ الذنوبَ ، فَاغْفِرْ لَهم.

فقال اللهُ تَعَالَى: قد غَفَرْتُ لَهم بكلمتِكَ ، ولكن بَعْدَمَا سَمَّيتَهُمْ فاسِقينَ ، وَدَعَوْتَ عليهم في عجلة لأُحَرِّمَنَّ عليهم دخولَ الأرضِ المقدَّسةِ ، فذلك قولهُ: { قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ } ؛ يَتَحَيَّرُونَ ؛ { فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } .

وَقِيْلَ: إنَّ قولهم لموسَى: { فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } كان سُؤَالًا منه الفَرْقَ في الحقيقةِ دون القضاء ، وكان دعاؤُه مُنْصَرِفًا إلى الآخرةِ ، أي أدْخِلْنَا الجنَّةَ إذا أدخلتَهم النارَ ، ولم يَعْنِ بذلك في الدُّنيا ؛ لأنه لو عَنَى ذلكَ لأجاب الله تعالى دُعَاءَهُ وأهلكَهم جميعًا ؛ لأنَّ دعاءَ الأنبياءِ لا يُرَدُّ من أجلِ أنَّهم يدعونَ بأمرِ الله تعالى.

ويقالُ: كان هذا دعاءً راجعًا إلى الدُّنيا ، وقد أجابَ اللهُ تعالى دعاءَه ؛ لأنَّهُ عاقبَ قومَهُ في التِّيْهِ ، ولم يكن موسَى وهارون محبوسَين في التِّيْهِ ؛ لأن الأنبياءَ علَيْهِمُ السَّلاَمُ لا يعذبون. قال الحسنُ: (لاَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوسَى مَعَهُمْ فِيْهَا لاَ حَيًّا وَلاَ مَيِّتًا ، ولاَ يجُوزُ إذا عَذبَ اللهُ بنَبيٍّ إلاَّ أنْ يًنَجِّيَ ذلِكَ النَّبيَّ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ) . ويقالُ: إنَّ هذا الدُّعاء كان مِن موسى عليه السلام عندَ الغَضَب ؛ لأنه عنى به الحقيقة ، ألا ترى أنه نَدِمَ على دعائه وجزِعَ من تحريم قرية الجبارين عليهم جزعًا شديدًا حتى قيل له: لا تأس على القوم الفاسقين.

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً } أي قال اللهُ تعالى: فإنَّ الأرضَ المقدَّسةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ؛ أي هم مَمْنُوعُونَ من دخولِها أربعينَ سنةً ، وأصْلُ التَّحْرِيْمِ الْمَنْعُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ } [القصص: 12] وأرادَ: به الْمَنْعَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ } أي يَتَحَيَّرُونَ. قال ابنُ عبَّاس: (يَتَحَيَّرُونَ فِي سِتَّةِ فَرَاسِخَ أرْبَعِيْنَ سَنَةً ، كَانُوا يَسِيْرُونَ فِي أوَّلِ النَّهَار فَيُمْسُونَ فِي مَكَانِهِمْ ، وَيَسِيْرُونَ فِي أوَّلِ اللَّيْلِ ، فَتَدُورُ بهِمُ الأَرْضُ فَيُصْبحُونَ فِي مَكَانِهِمْ) . قال الحسنُ: (عَمِيَ عَلَيْهِمُ السَّبيْلَ وَأخْفِيَ عَلَيْهِمُ الأعْلاَمُ الَّتِي يَهْتَدُونَ إلَى الطَّرِيْقِِ فَلَمْ يَسْتَطِيْعُوا الْخُرُوجَ مِنْهَا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت