قَوْلُهُ تَعَالَى: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } ؛ أي لا تدركُ الأبصار كُنْهَهُ ؛ { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } ؛ أي يعلمُ كُنْهَهَا وماهيَّتَها ؛ فإنهُ لا أحدَ يَعْلَمُ أنَّ الإنسانَ لِمَ صارَ يُبْصِرُ من عينَيهِ ولا يبصرُ بغيرهما ؛ وما الشيءُ الذي يصيرُ به الإنسانُ مُبْصِرًا ؛ وكيفَ حقيقةُ البصرِ ، فأعلَمَ اللهُ تعالى أنَّ خَلْقًا من خَلْقِهِ لا يُدْرَكُ كُنْهُهُ ولا يحيطونَ بعلمهِ ؛ فيكفَ يحيطونَ باللهِ؟!
فمَنْ حَمَلَ الآيةَ على هذا التأويلِ ؛ لم يكن فيهِ ما يَنْفِي الرؤيةَ في الآخرةِ ؛ لأن معنى الرؤيةِ غيرُ معنى الإحاطةِ بحقيقة الشيء. وقال بعضُ المفسِّرين: (إنَّ الإِدْرَاكَ إذا قُرِنَ بالْبَصَرِ ؛ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الرُّؤيَةُ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: أدْرَكْتُ ببَصَرِي ؛ وَرَأيْتُ ببَصَرِي ، بمَعْنًى وَاحدٍ ، كَمَا يُقَالُ: أدْرَكْتُ بأُذْنِي ؛ وَسَمِعْتُ بأُذُنِي ، بمَعْنًى وَاحِدٍ) .
قالوا: وأصلُ الإِدْراكِ: اللُّحُوقُ ؛ نحوُ قولِكَ: أدركتُ زمانَ فلانٍ ؛ وأدركَ فلانٌ أبا حَنِيْفَةَ ؛ وأدركَ الزرعَ والثمرةَ ؛ وأدركَ الغلامُ إذا لَحِقَ حَالَ الرِّجَالِ. وإدراكُ البصرِ الشيءَ ولُحُوقُهُ بهِ برُؤْيَتِهِ إيَّاهُ ، إلا أنهُ لا يَمْتَنِعُ أن تكونَ هذه الآيةُ عامَّةً من جهةِ اللفظ والمرادُ منها الخصُوصُ تَوْفِيقًا بين هذه الآيةِ وبين قولهِ تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } [القيامة: 22-23] . قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } ؛ أي اللَّطيْفُ بعبادهِ في التَّدبيرِ ، الْخَبيْرُ بمصالِحهم.