فهرس الكتاب

الصفحة 1101 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ؛ أي لَولاَ حُكمٌ من اللهِ سبقَ في إباحةِ الغنائمِ لَمسَّكُم فيما استبَحتُم قبلَ الإثخانِ عذابٌ عظيم. وَقِيْلَ: لولا كتابٌ مِن الله سبقَ في أهلِ بدر أن يغفرَ اللهُ لَهم ما تقدَّم من ذُنوبهم وما تأخَّرَ. وَقِيْلَ: معناهُ: لولا حكمُ اللهِ في اللُّوحِ المحفوظِ وفي القرآنِ أنه لا يعذِّبُ قومًا حتى يُبيِّن لهم ما يتَّقون لأصابَتْكم عقوبةٌ عظيمة.

وعن ابنِ عبَّاس أنه قالَ في هذه الآيةِ: (وَذلِكَ أنَّهُ لَمَّا قَـتَلَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَبْعِينَ وَأسَرُواْ سَبْعِينَ ، اسْتِشَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أصْحَابَهُ فِي أمْرِ الأُسَارَى ، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: يَا رَسُولَ اللهِ هُمْ قَوْمُكَ ، فَإنْ تَقْتُلْهُمْ يَدْخُلُوا النَّارَ ، وَلَكِنْ فَادِهِمْ فَيَكُونَ الَّذِي تَأْخُذُ مِنْهُمْ قُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَعَلَّ اللهَ يَُقَلِّبُ قُلُوبَهُمْ. وَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا أعْلَمُ قَوْمًا كَانُوا أشَرَّ لِنَبيِّهِمْ مِنْهُمْ فَاقْتُلْهُمْ.

فَأَخَذ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وسلم برَأي أبي بَكْرٍ ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمَا مَثَلًا فَقالَ:"مَثَلُ أبي بَكْرٍ مَثَلُ إبْرَاهِيمَ عليه السلام حَيْثُ قَالَ: { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [إبراهيم: 36] ، وَمَثَلُ عُمَرَ مَثَلُ نُوحٍ عليه السلام حَيْثُ قَالَ: { رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } [نوح: 26] "ثمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْفِدَاءَ عَلَى الأَسَارَى"."

فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ... } [الأنفال: 67] إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ ،"قَالَ عُمَرُ: فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ أبُو بَكْرٍ يَبْكِيَانِ ، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكُمَا؟! حَتَّى الأَرْضُ إن وَجَدَتْ بُكَاءً لِبُكَائِكُمَا بَكَتْ مَعَكُمَا ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"إنَّمَا أبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أصْحَابُكَ مِنْ أخْذِ الْفِدَاءِ"، ثُمَّ قَرَأَ عليه السلام { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى } [الأنفال: 67] ".

وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قالَ:"لَمَّا جِيءَ بالأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ صلى الله عليه وسلم:"مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلاَءِ ؟"فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْمُكَ وَأهْلُكَ اسْتَبقْهُمْ لَعَلَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ، وَخُذْ مِنْهُمْ فِدْيَةً تَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ. وَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَذبُوكَ وَأخْرَجُوكَ ، قَدِّمْهُمْ وَاضْرِبْ أعْنَاقَهُمْ ، وَمَكِّنْ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبْ عُنُقَهُ ، وَمَكِّنِّي مِنْ فُلاَنٍ - بسَبَبٍ لَهُ - فَأَضْرِبْ عُنُقَهُ ، فإنَّ هَؤُلاَءِ أَئِمَةُ الْكُفْرِ. فَسَكَتَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ أُنَاسٌ: نَأْخُذُ بقَوْلِ أبي بَكْرٍ ، وَقَالُ نَاسٌ: نَأْخُذُ بقَوْلِ عُمَرَ ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"إنَّ اللهَ لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رجَالٍ حَتَّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ ، وَإنَّ اللهَ لَيَشُدُّ قُلُوبَ رجَالٍ حتَّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ ، وَإنَّ مَثَلَكَ يَا أبَا بَكْرٍ مَثَلُ عِيسَى قَالَ: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [المائدة: 118] ، وَمَثَلَكَ يَا عُمَرُ مَثَلُ مُوسَى قَالَ: { رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ } [يونس: 88] ، ثُمَّ قالَ صلى الله عليه وسلم لِلأُسَارَى:"أنْتُمُ الْيَوْمَ عَالَةً فَلاَ يَنْقَلِبَنَّ أحَدٌ إلاَّ بِفِدَاءٍ أوْ ضَرْب عُنُقٍ"ثمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ } [الأنفال: 67] "."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت