قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } ؛ أي وَاذْكُرْ إذ قالَ موسى لفتاهُ يوشعَ بنَ نونِ ، قال ابنُ عبَّاس:(وقصَّةُ ذلكَ: أن موسى عليه السلام قامَ خطيبًا في بنِي إسرائيلَ ، فسُئِلَ أيُّ الناسِ أعلمُ ؟ فقال: أنَا فبعثَ اللهُ عليه فقالَ: إن لِي عبدًا بمجمع البحرينِ هو أعلمُ منكَ ، قال موسى: يا رب كيفَ لِي بهِ ، يا رب دُلَّنِي عليه.
فقال: تأخذُ معكَ حُوتًا وتَمضي إلى شَاطِئ البحرِ ، فحيث ما فقدتَ الحوتَ فهو ثَمَّ ، فأخذ حوتًا من السَّمكِ ، وجعلهُ في مكتلٍ وانطلقَ معه بفتاهُ يوشعَ بن نون إلى شاطئ البحرِ ، فأَوَيَا إلى صخرةٍ عندَها ماءً يسمى ماءُ عينِ الحياة ، فجلسَ يوشعُ يتوضَّأُ من تلكَ العينِ ، فانتضحَ من ذلك الماءِ على الحوتِ فحَييَ ، فوثبَ في الماءِ ، وَاتَّخَذ سَبيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ؛ أي اتخذ الحوتُ طريقًا في البحرِ مسْلَكًا يَابسًا).
وَقِيْلَ: معنى قولهِ (سَرَبًا) أي ذاهِبًا ، فقامَ يوشعُ حين رأى ذلك مِن الحوت ، وذهبَ إلى موسى ليخبرَهُ بذلكَ ، وذهبَا يومَهُما ذلكَ حتى صلَّيا الظهرَ مِن الغدِ ، فتَعِبَ موسى ، فقَالَ لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقْدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذا نَصَبًا ؛ أي تَعَبًا.
ومعنى الآية: وإذ قالَ موسى لفتاهُ لا أزالُ أمضِي حتى أبلُغَ مجمع البحرين الموضعَ الذي يلتقِي فيه بحرُ فارسَ والرومِ أو أمضِيَ سنينَ كثيرة ، والْحُقَبُ جمعُ أحْقَابٍ ، والأحقابُ جمع الحِقْبِ ، والْحِقْبُ ثَمَانُونَ سنةً ، وَقِيْلَ: سبعونَ سنةً بلُغة قريشٍ ، وسُمي يوشعُ فَتَاهُ ؛ لأنه كان يخدمهُ ويلازمهُ في الْحَضَرِ والسَّفرِ للتعلُّم منه.