قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الْجِنِّ } ؛ يعرفُ بعَمْرٍو ، والجِنِّيُّ والعفريتُ في كلِّ شيءٍ: الْمُبَالِغُ الْحَاذِقُ ، يقالُ: رَجُلٌ عِفْرٌ وَعِفْرِيْتٌ وعِفْرِيَةٌ ، بمعنى واحدٍ ، والجمعُ عَفَاريتُ وَعَفَارَى ، وَقِيْلَ: العفريتُ من الجِنِّ الْمَاردُ القويُّ الغليظ الشديدُ. وَقِيْلَ: اسمُ العفريتِ الدَّاهِيَةُ.
قِيْلَ: إنَّها سارَتْ إلَى سليمانَ في اثنَى عشرَ ألفَ قِيْل ، تحتَ كلِّ قِيْل ألُوفٌ كثيرةٌ ، فخرجَ سليمانُ ذات يومٍ وإذا هو يَرَى هَرَجًا قريبًا منهُ ، فقال: ما هَذا ؟ قالوا: بلقيسُ ، قال: نزلَتْ منَّا بهذا المكانِ. قال ابنُ عبَّاس: (وَهُوَ مَكَانٌ بَيْنَ الْحِيْرَةِ وَالْكُوفَةِ بُعَيْدَ فَرْسَخٍ) فأقبلَ حينئذ سليمانُ على جنودهِ ، وقال: { أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ؟ } .
واختلفَ أهلُ العلمِ في السَّبب الذي لأجلهِ أمرَ سليمانُ بإحضار عرشِها ، قِيْلَ: أنْ يَحْرُمَ عليه أخذهُ بإسلامِها. وقال قتادةُ: (إنَّهُ أعْجَبَهُ صِفَتُهُ لَمَّا وَصَفَهُ لَهُ الْهُدْهُدُ ، فَأَحَبَّ أنْ يَرَاهُ) ، وقال ابنُ زيدٍ: (أرَادَ أنْ يَخْتَبرَ عَقْلَهَا بتَنْكِيْرِ عَرْشِهَا وَلِيَنْظُرَ هَلْ تَعْرِفُهُ إذا رَأتْهُ أوْ تُنْكِرُهُ) ، وَقِيْلَ: لِيُرِيَها قدرةَ اللهِ وعِلْمَ سُلْطانهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ } ؛ أي من مجلسِ قضَائِكَ ، وكان سليمانُ يجلسُ للقضاء من الغَدَاةِ إلى انتصافِ النَّهار ، وقال مقاتلُ: (قَالَ الْعِفْريْتُ: أنَا أضَعُ قَدَمِي عِنْدَ مُنْتَهَى بَصَرِي ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أسْرَعُ مِنِّي) { وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } ؛ أي قَوِيٌّ على حملهِ ، أمينٌ على ما فيهِ مِن الذهب والجواهرِ. فقال سليمانُ: أريدُ أسرعَ مِن ذلكَ.