فهرس الكتاب

الصفحة 1446 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } ؛ قال الحسنُ: (أمَّا هَمُّهَا فَأَحَبُّ هَمٍّ وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْفَاحِشَةِ ، وَأمَّا هَمُّهُ فَهُوَ مَا طُبعَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ شَهْوَةِ النِّسَاءِ مِنْ دُونِ عَزْمٍ عَلَى الزِّنَا) .

واختلفَ أهلُ العلمِ في ذلك ، فرُوي عن ابنِ عبَّاس أنه سُئِلَ: مَا بَلَغَ مِنْ أمْرِ يُوسُفَ ؟ قَالَ: (حَلَّ الْهِمْيَانَ وَجَلَسَ مِنْهَا مَجْلِسَ الْخَاتِنِ) . وعن ابن أبي مليكة قال: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: مَا بَلَغَ مِنْ أمْرِ يُوسُفَ ؟ قَالَ: (اسْتَلْقَتْ لَهُ عَلَى قَفَاهَا وَقَعَدَ بَيْنَ رَجْلَيْهَا يَنْزِعُ ثِيَابَهُ) وهو قولُ سعيدِ بن جُبير والضحَّاك والسديُّ.

ورُوي عن ابنِ عبَّاس:(أنَّه لَمَّا راوَدت يوسُفَ جعلت تذكرُ محاسنَهُ وتشوِّقه إلى نفسها ، فقالت: يا يوسفُ ما أحسنَ ماء عينيكَ ؟ قال: هو أوَّلُ ما سِيلَ على الأرضِ من جسَدِي ، قالت: ما أحسنَ وجهَكَ ؟ قال: هو للتُّراب يأكلهُ ، قالت: ما أحسنَ شَعْرَك ، قال: هو أوَّلُ سَتْرٍ من بدَنِي ، قالت: ما أحسنَ صُورَتَكَ ، قال: رَبي صوَّرَنِي ، قال ، يا يوسفُ صورةُ وجهِكَ أنْحَلَتْ جسمي ، قال: إن الشيطانَ يُعِينُكِ على ذلكَ ، قالت: فراشُ الحريرِ قد بسطتهُ قم فاقضِ حاجَتي ، قال: إذن يذهبُ نصيبي من الجنَّة ، قالت: أُدخل في السترِ معي ، قال ليس بشيءٍ يستُرنِي من ربي.

فلم تزَلْ تدعوهُ إلى اللذة ، ويوسف شابٌّ مستقبلٌ يجد من شبق الشباب ما يجدُ الرجل ، وهي حسناءُ جميلة حتى لاَنَ لها لما يرى من كَلَفِها به وهمَّ بها).

فهذه أقاويلُ أجِلَّةِ أهلِ التفسير ، وقال جماعةٌ من المتأخِّرين: (لاَ يَلِيقُ هَذا بالأَنْبيَاءِ) وأوَّلوا الآيةَ ، قال بعضُهم: هَمَّ بالفرار ، وهذا لا يصحُّ لأن الفرارَ مذكَّرٌ ، وَقِيْلَ: هَمَّ بضَربها ودَفعِها ومخاصمتها ، قال بعضُهم معنى قوله: { وَهَمَّ بِهَا } بمُنَاهَا أن تكون له زوجةً.

وقال أهلُ الحقائقِ: الْهَمُّ هَمَّانِ: همٌّ مقيمٌ ثابت ، وهو إذا كان معه عَزْمٌ وعقدٌ ونيَّة ورضًى مثل هَمِّ امرأةِ العزيزِ ، فالعبدُ مأخوذُ به ، وهَمٌّ عارضٌ وارد وهو الْخَطْرَةُ والفكرةُ وحديث النَّفسِ من غيرِ اختيارٍ ولا عَزْمٍ مثل همِّ يوسف ، والعبدُ غير مأخوذٌ به.

وفي الحديثِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ:"إنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بهِ أنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُواْ أوْ يَفْعَلُواْ بهِ". عن ابن عبَّاس قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"مَا مِنْ أحَدٍ يَلْقَى اللهَ قَدْ هَمَّ بخَطِيئَةٍ قَدْ عَمِلَهَا ، إلاَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيّا فإنَّهُ لاَ يَهِمُّ ولَمْ يَفْعَلْ".

وقال بعضُهم في قولهِ { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } قال أبو العبَّاس أحمدُ بن يحيى ثعلب: (هَمَّتِ الْمَرْأةُ بالْمَعْصِيَةِ مُصِرَّةَ عَلَى ذلِكَ ، وَهَمَّ يُوسُفُ بالْمَعْصِيَةِ وَلَمْ يَأْتِهَا) . وَقِيْلَ ، هَمَّت المرأةُ عازمةً على الزنَى ، ويوسفُ عارَضَهُ ما يعارضُ الشبابَ من خَطَراتِ القلب وحديث النَّفس ، فلم يلزمه ، وهذا الْهَمُّ ليس ذنبًا إذ الرجلُ الصائم يخطرُ بقلبهِ شرابُ الماءِ البارد ، فإذا لم يشرب كان غيرَ مُؤَاخَذٍ بما يحسُّ في نفسهِ فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت