فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَآتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ } ؛ قال الكلبيُّ: (هَذا خِطَابٌ لِلأَوْلِيَاءِ ، كَانَ الْوَلِيُّ إذا زَوَّجَ امْرَأةً ، فَإنْ كانَ زَوْجُهَا مَعَهُمْ فِي الْعَشِيْرَةِ لَمْ يُعْطِهَا الْوَلِيُّ مِنْ مَهْرِهَا قَلِيْلًا وَلاُ كَثِيْرًا ، وَإنْ كَانَ زَوْجُهَا غَرِيْبًا حَمَلُوهَا عَلَى بَعِيْرٍ إلَى زَوْجِهَا ، وَلاَ يُعْطُونَهَا مِنْ مَهْرِهَا غَيْرَ ذلِكَ الْبَعِيْرِ ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذلِكَ وَأَمَرَهُمْ أنْ يُعْطُوهَا الْحَقَّ أهْلَهُ) . وقال مقاتلُ وأكثر أهلِ التَّفسير: (هَذا خِطَابٌ للأَزْوَاجِ ، كَانَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأةَ فَلاَ يُعْطِيْهَا مَهْرَهَا ، فَأُمِرُواْ أنْ يُعْطُواْ نِسَاءَهُمْ مُهُورَهُنَّ الَّتِي هِيَ أثْمَانُ فُرُوجِهِنَّ) وهذا القولُ أضحُّ وأوضحُ. والصَّدُقَاتِ: الْمُهُورُ ، واحدهُ صَدُقَةٌ بضمِّ الدال.

وقَوْلُهُ تَعَالَى: { نِحْلَةً } قال قتادةُ: (فَرِيْضَةً وَاجِبَةً) ، وقال ابن جُريج: (فَرِيْضةً مُسَمَّاةً) ، وقال الكلبيُّ: (عَطِيَّةً وَهِبَةً) ، وقال أبو عُبيدة: (عَنْ طِيْب نَفْسٍ) ، قال الزجَّاج: (تَدَيُّنًا) . وقيل: معناهُ: عطيَّةٌ من اللهِ تعالى للنَّساءِ حيث جَعْلِ المهرَ لَهُنَّ ، ولم يوجب عليهنَّ شيئًا من القومِ مع كون الاستِمْتَاع مشتَركًا بينهنَّ وبين الأزواجِ. وقيل معنى (نِحْلَةً) : دِيَانَةً ، فانتصبَ (نِحْلَةً) على المصدر ، وقيل: على التفسيرِ.

وروي عن رسول الله أنه قال:"مَنِ ادَّانَ دَيْنًا وَهُوَ يَنْوِي أنْ لاَ يُؤَدِّيَهُ لَقِيَ اللهَ سَارقًا ، ومَنْ أصْدَقَ امْرَأةً صِدَاقًا وَهُوَ يَنْوِي أنْ لاَ يُوَفِّيَهَا لَقِيَ اللهَ زَانِيًا"وقال صلى الله عليه وسلم:"إنَّ أحَقِّ الشُّرُوطِ أنْ تُوَفُّوا مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بهِ الْفُرُوجَ"

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا } ؛ أي إنْ أحْلَلْنَ لَكُم عن شيءٍ من المهرِ ، وإن وَهَبْنَ لكم منه شيئًا. ونصب (نَفْسًا) على التَّمييزِ إذا قيلَ (طِبْنَ لَكُمْ) لم يُعلم في أيِّ صنفٍ وقعَ الطيبُ ، فكأنه قالَ: إن طَابَتْ أنفسُهن بهِبَةِ شيءٍ من المهر فكلُوا الموهوبَ لكم هنيئًا لا إثْمَ فيه ، مَرِيئًا لا مَلاَمَةَ فيه. قال الحضرميُّ: (إنَّ نَاسًا كَانُواْ يَتَأَثَّمُونَ أنْ يَرْجِعَ أحَدُهُمْ فِي شَيْءٍ مِمَّا سَاقَ إلَى امْرَأتِهِ) . قال اللهُ تعالى: { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا } من غيرِ إكراهٍ ولا خَدِيْعَةٍ { فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا } أي شافيًا طَيِّبًا.

وقيل معناهُ: فكلوهُ دواءً شافيًا ، وقيل: الْهَنِيءُ: الطَّيِّبُ الْمُسَاغُ الَّذِي لاَ يَغُصُّهُ شَيْءٌ ، وَالْمَرِيْءُ: الْمَحْمُودُ الْعَاقِبةِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ وَلاَ يُؤْذِي ، تقول: لا تخافونَ في الدنيا منهُ مطالبةً ، ولا في الآخرة بتبعةٍ ، يقال: هنأني لِي الطعامُ وَمَرِّأنِي ، فإذا أفْرِدَ يقال: أَمْرَأنِي ولا يقال إهْنَأنِي ، وَهَنِيْئًا مصدرٌ.

وعن عَلِيٍّ رضي الله عنه أنهُ قالَ: (إذا كَانَ أحَدُكُمْ مَرِيْضًا فَلْيَسْأَلِ امْرَأتَهُ دِرْهَمَيْنِ مِنْ مَهْرِهَا تَهَبْ لَهُ بطِيْبَةِ نَفْسِهَا ؛ فَلْيَشْتَرِ بذلِكَ عَسَلًا ، وَيَشْرَبُهُ مَعَ مَاءِ الْمَطَرِ ، فَقَدِ اجْتَمَعَ الْهَنِيءُ وَالْمَرِيءُ وَالشِّفَاءُ وَالْمَاءُ الْمُبَارَكِ) . لأنَّ اللهَ تعالى سَمَّى المهرَ هَنِيْئًا مَرِيْئًا إذا وَهَبَتْهُ المرأةُ لِزَوْجِهَا ؛ وسَمَّى العسلَ شِفَاءً ؛ وسَمَّى المطرَ مُبَاركًا ، فإذا اجتمعتْ هذهِ الأشياءُ يُرْجَى له الشِّفاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت