فهرس الكتاب

الصفحة 3984 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ } ؛ اختلَفُوا في ذلكَ ، قال بعضُهم: كان عادةِ العرب أنَّهم إذا حَسَدُوا إنسانًا تجوَّعُوا ثلاثةَ أيَّام ، ثم خرَجُوا عليه فقالوا لَهُ: ما أحْسَنَكَ ؛ ما أجْمَلَكَ ؛ ما كذا وكذا ليُصِيبوهُ بأَعيُنهم ، فتوَاطَؤا على أنْ يفعلوا ذلك بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فدفعَ اللهُ عنه كيدَهم وشرَّهم. وَقِيْلَ: إن العينَ كان في بني إسرائيل أشدَّ ، حتى أنَّ الناقةَ السمينة والبقرةَ السَّمينة كانت تَمُرُّ بأحدِهم ، فيُعَاينُوها ثم يقولُ: يا جاريةُ خُذِي الزَّنبيلَ والدرهمَ واذهَبي أئْتِنَا بلحمٍ مِن هذه ، فما يبرحُ أن تُنحَرَ من سَاعَتِها.

قال الكلبيُّ: (كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَب يَمْكُثُ لاَ يَأْكُلُ يَوْمَيْنِ أوْ ثَلاَثَة ، ثُمَّ يَرْفَعُ جَانِبَ خِبَائِهِ فَتَمُرُّ بهِ الإبلُ ، فَيَقُولُ فِيْهَا مَا يُعْجِبُهُ ، فَمَا تَذْهَبُ إلاَّ قَرِيبًا حَتَّى تَسْقُطَ لِوَقْتِهَا ، فَسَأَلَ الْكُفَّارُ هَذا الرَّجُلَ أنْ يُصِيبَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعَيْنِهِ وَيَفْعَلَ بهِ مِثْلَ ذلِكَ ، فَأجَابَهُمْ إلَى ذلِكَ ، فَعَصَمَ اللهُ تَعَالَى نَبيَّهُ وَحَفِظَهُ عَنْهُمْ ، وَأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ) .

ورُوي أنَّ الكفارَ كانوا يَقصِدُون رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يُصِيبوهُ بالعينِ ، وكانوا ينظُرون إليه نظرَ أشدّ يَدًا بالعينِ ، وقال الزجَّاجُ: (مَعْنَى الآيَةِ: أنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا مِنْ شِدَّةِ بُغْضِهِمْ لِرَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ نَظَرَ الْبَغْضَاءِ) ، والمعنى: تكادُ الكفَّارُ بنظرِهم إليكَ أنْ يصرَعُوكَ.

وقرأ نافعُ (لِيَزْلِقُونَكَ) بفتحِ الياء ، يقالُ: زَلَقَ هو وَزَلَقْتُهُ ، مثلُ حَزَنْتَهُ وحَزَنَ هُوَ ، وقرأ الباقون (لِيُزْلِقُونَكَ) من أزْلَقَهُ من موضعهِ إذا نَحَّاهُ ، وعن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ:"الْعَيْنُ حَقٌّ ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ يَسْبقُ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ"وقال:"إنَّ الْعَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ ، وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ"وَقِيْلَ: معنى الآيةِ: وإن يكادُ الذين كفَرُوا من شدَّة إبغاضِهم وعداوتِهم لكَ يُسقِطُونَكَ وَيصرِفُونَكَ عمَّا أنتَ عليه من تبليغِ الرِّسالةِ ويُزِيلونَكَ عن المقامِ الذي أقامكَ اللهُ فيه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَمَّا سَمِعُواْ الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } ؛ أي لما أعيَتهُم الحيلةُ عن صرفِ الناس عنكَ نسبُوكَ إلى الجنونِ مع علمِهم بخلاف ذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَمَّا سَمِعُواْ الذِّكْرَ } يعني القرآنَ ، وذلك أنَّهم يكرَهُون القرآنَ أشدَّ الكراهةِ ، فيُحِدُّونَ النظرَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم حين يتلوهُ بالبغضاءِ ، وكانوا يَنسِبُونَهُ إلى الجنونِ إذا سَمعوهُ يقرأ القرآنَ ، فقال اللهُ تعالى: { وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } ؛ أي ما القرآنُ الذي يقرؤهُ عليهم إلاَّ عِظَةٌ للخلائقِ كلِّهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت