فهرس الكتاب

الصفحة 1761 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ } ؛ أي تَبْخَلُ بالمنعِ من حقُوقِهم الواجبة لهم ، ومرادهُ: الذي يتركُ الإنفاقَ يكون بمنْزِلة مَن غُلَّتْ يداهُ إلى عُنقهِ ، فلا يعطِي من مالهِ شَيئًا في الخير ، وسُمِّي البخلُ بمثل هذه الصِّفات ، يقولون: فلانٌ قصيرُ البَاعِ ، وإذا كان كَريمًا قالوا: طويلَ الباعِ ، وقال صلى الله عليه وسلم لنسائهِ:"أسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا أطْوَلُكُنَّ يَدًا"فَكَانَتْ زَيْنَبُ بنْتُ جَحْشٍ ؛ لأنَّهَا كَانَتْ أكْثَرَهُنَّ صَدَقَة.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ } ؛ أي لا تُخرِجْ جميعَ ما في يدِكَ مع حاجتِكَ وحاجة عيالك إليه ، { فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا } ؛ ذا حَسرَةٍ تلومُ نفسَكَ وتُلاَمُ ، وتبقَى الحسرَةُ على ما تُخرِجهُ من يدِكَ ، والحسرةُ: الغَمُّ لانْحِسَارِ مَا فَاتَ ، وحَسَرَ عن ذراعهِ يَحْسُرُ حَسْرًا إذا كَشَفَ عنه.

وقد قِيْلَ: إنَّ المرادَ بالخطاب في هذه الآية غيرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يدَّخِرُ شيئًا لِغَدٍ ، وكان يجوعُ حتى يشُدَّ الحجرَ على بطنهِ ، وقد كان كثيرٌ من فُضَلاءِ الصَّحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُمُ يُنفقون جميعَ أمْلاكِهم في سبيلِ الله تعالى ، مِثْلَ ما فعلَهُ أبو بكرٍ رضي الله عنه حتى يبقَى في عباءة ، فلم يُعنِّفْهمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، ولم يُنكِرْ عليهم لصحَّةِ يقينهم وشدَّةِ بصائرهم.

وإنما نَهَى اللهُ تعالى عن الإفراطِ في الإنفاقِ مَن خِيفَ عليه الحسرةَ على ما يخرجهُ من يدهِ ، كما رُوي:"أنَّ رَجُلًا أتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذهَبٍ ، فَقَالَ: وَجَدْتُهَا فِي مَعْدِنِ كَذا وَلاَ أمْلِكُ غَيْرَهَا ، فَتَصَدَّقَ بهَا ، فَأَخَذهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَرَمَاهُ بهَا حَتَّى لَوْ أصَابَهُ بهَا لَشَجَّهُ ، ثُمَّ قَالَ:"إنَّ أحَدَكُمْ لَيَتَصَدَّقُ بجَمِيعِ مَالِهِ ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ"."ومن الدليلِ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لَم يكن دَاخِلًا في هذا الخطاب: أن اللهَ تعالى قال { مَلُومًا مَّحْسُورًا } ومعلومٌ أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحسَّرُ على ما كان يملِكهُ.

وذهبَ بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ الخطابَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وأن سببَ نُزولِ هذه الآية ما رُوي:"أنَّ امْرَأةً بَعَثَتِ ابْنَهَا إلَى النِّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ لَهُ: قُلْ: إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ دِرْعًا ، فَإنْ قَالَ لَكَ حَتَّى يَأْتِينَا شَيْءٌ ، فَقُلْ لَهُ: فَإنَّهَا تَسْتَكْسِيكَ قَمِيصَكَ ، فَفَعَلَ الابْنُ كَمَا قَالَتْ أُمُّهُ ، فَنَزَعَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قَمِيصَهُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ قَمِيصٌ يَخْرُجُ فِيْهِ إلَى الصَّلاَةِ"، فنَزلت هذه الآيةُ بما فيها من الدلالةِ بالنَّهي عن الإمساكِ ، فيكون التحسُّرُ على هذا القولِ لتأخُّرِ خروجهِ إلى الصلاةِ بسبب القَميصِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت