قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ؛ أي وإن حقَّقوا الطلاقَ بالإقامةِ على حكمِ اليمين إلى تَمام أربعةِ أشهرٍ ؛ { فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } لإيْلائهِم ؛ { عَلِيمٌ } بهم وبنِيَّاتِهِمْ. والعَزْمُ في اللغة: هو العقدُ على فعلٍ في المستقبلِ ؛ يقال: عَزَمَ على كذا ؛ إذا عَقَدَ قلبَهُ عليه. والعزمُ الشرعيُّ المذكور في هذه الآية على ثلاثةِ أوجهٍ: قال ابنُ عباس: (عَزِيْمَةُ الطَّلاَقِ انْقِضَاءُ الأَرْبَعَةِ أشْهُرٍ قَبْلَ أنْ يَفِيءَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) ، وهو قولُ ابن مسعود وزيدِ بن ثابت وعثمانَ بن عفانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ؛ قالوا: (إنَّهَا تَبيْنُ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ بتَطْلِيْقَةٍ) ، وبه أخذَ أبو حنيفةَ وأصحابهُ.
وعن عليٍّ وابن عمر وأبي الدرداءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ مثلُ القْولِ الأول. وروي عنهُم أيضًا: (أنَّهُ يُوقَفُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ ، فَإمَّا أنْ يَفِيءَ وَإمَّا أنْ يُطَلِّقَ) وهذا قولُ عائشة وآخرين. وبه قال مالكُ والشافعيُّ ؛ فَإنِ امْتَنَعَ عَنْهُمَا ؛ فللشافعيِّ قولان ؛ أحدُهما: يَحْبسُهُ الْحَاكِمُ وَلاَ يُجْبرُهُ عَلَى أحَدِ الأَمْرَيْنِ. والثانِي: يُطَلِّقُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ.
وقال ابنُ جبير وسالم والزهريُّ وعطاء وطاووسُ: (إذَا مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ فَهِيَ تَطْلِيْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ) . فإن قيلَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يقتضي أنَّ عزيْمةَ الطلاق مسموعةٌ ولا يكون كذلك إلا بقولٍ من الزوجِ بعدَ الإيلاء ؟ قُلْنَا: هذا القولُ لا يصحُّ ؛ لأن اللهَ تعالى لم يَزَلْ سميعًا ولا مسموعَ وقد قال تعالى: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [البقرة: 244] وليس هناكَ قولٌ.