فهرس الكتاب

الصفحة 500 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا } ؛ أي إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ سَوفَ نُدْخِلُهُمْ نَارًا. وقرأ حُميد بن قيسٍ: (نَصْلِيهِمْ) بفتحِ النون ؛ أي نَشْوِيْهِمْ مِن قولِهم: شاةٌ مَصْلِيَّةٌ ؛ أي مَشْوِيَّةٌ ، ونُصبتِ النارُ بنَزعِ الخافض على هذه القراءةِ ؛ تقديرهُ: بنَار.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا } ؛ أي كُلَّمَا أحْرِقَتْ جلودُهم جَدَّدْنَا لَهم جلودًا غيرَها بيضاءَ كالقراطيسِ ، وذلك أنَّهم كلَّما احْتََرَقُوا حَسَّت عليهم النارُ ساعةً ثم تَزَايَدَتْ سعيرًا وَبَدَأوا خَلْقًا جديدًا فيهم الرُّوحُ ثم عادَتْ النَّارُ تُحْرِقُهُمْ ؛ فهذا دَأبُهُمْ أبدًا. قال الحسنُ: (تَنْضَجُ جُلُودُهُمْ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِيْنَ ألْفَ مَرَّةٍ ، كُلَّمَا أكَلَتْهُمُ النَّارُ وَأنْضَجَتْهُمْ ؛ قِيْلَ لَهُمْ: عُودُوا ؛ فَيَعُودُونَ كَمَا كَانُوا) . وعن مجاهدٍ قَالَ: (مَا بَيْنَ جِلْدِهِ وَلَحْمِهِ دُودٌ لَهَا حَلْبَةٌ كَحَلْبَةِ حُمُرِ الوَحْشِ) . وعن أبي هريرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:"غِلَظُ جِلْدِ الْكَافِرِ اثْنَانِ وَأرْبَعُونَ ذِرَاعًا ، وَضِرْسُهُ مِثْلُ أحُدٍ"

قيل: كيفَ جاز أن يعذِّبَ اللهُ جِلْدًا لَم يَعْصِهِ ؟ قيل: إنَّ العاصِي والمتألِّمُ واحدٌ وهو الإنسانُ لا الجلدُ ؛ لأن الجلودَ إنَّما تَأْلَمُ بالأرواحِ ، والدليلُ على أنَّ القصدَ تعذيبُ الإنسانِ لا تعذيبُ الجلودِ قولهُ تعالى: { لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ } ؛ ولَم يقل ليذوقَ العذابَ ، وَقِيْلَ: معناهُ: تبدل جلودٌ هي تلك الجلودُ المتحرقة ، وذلك أنَّ (غيرَ) على ضربين: بتضَادٍّ و (غير) بلا تضادٍّ ، فالتضادُّ مثلُ قولِكَ: الليلُ غيرُ النَّهار ، والذكرُ غير الأنثى ، والثاني مثل قولِكَ لصائغٍ: صُغْ لي من هذا الخاتمِ خاتمًا غيرَهُ ، فيكسره ويصوغُ لكَ خاتمًا ، والخاتَمُ المصوغُ هو الأوَّلُ ، إلاّ أن الصياغةَ قد تغيَّرت ، والقصةُ واحدةٌ.

وقالت الحكماءُ: كما أنَّ الجلد بَلِيَ قبلَ البعثِ كذلك يبدلُ بعد النُّضج. وقال السُّدِّيُّ: (يُبْدَلُ مِنْ لَحْمِ الْكَافِرِ يُعَادُ الْجِلْدُ لَحْمًا وَيَخْرُجُ مِنَ اللَّحْمِ جِلْدٌ آخَرُ ؛ لأنَّهُ جِلْدٌ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيْئَةً) . قَوُلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا } ؛ أي غالبًا في أمرهِ ، لا يَمْلِكُ أحدٌ مَنْعَهُ من إنزالِ وعدِّهِ ، ذو حِكْمَةٍ فيما حَكَمَ من النار للكفَّار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت