قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ } ؛ أي يَهْدِي اللهُ بالقُرْآنِ مَنْ قَبلَ الحقَّ ورَغِبَ في الإسلامِ ، وقولهُ تعالى: { رِضْوَانَهُ } أي رضَا اللهِ ، وقولهُ تعالى: { سُبُلَ السَّلاَمِ } أي طُرُقَ السَّلاَمةِ ، وهي دِيْنُ الإسلامِ ، والسَّلامُ والسَّلامَةُ ، كالرِّضَاعِ والرَّضَاعَةِ ، ويقالُ: السَّلامُ هو اللهُ ، وسُبُلُ السَّلامِ: طُرُقُ اللهِ التي دَعَا إليهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } ؛ أي يخرجُهم من ظُلُمَاتِ الكُفْرِ ، بالتعريفِ لَهم إلى نُور الإيْمان ، { بِإِذْنِهِ } ؛ أي بإذنِ الله ومشيئتِه ، وسُمِّيَ الإيْمانُ نورًا ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا آمَنَ أبْصَرَ بهِ طريقَ نَجاتِهِ فَطَلَبَهُ ، وطريقَ هَلاَكِهِ فَحَذِرَهُ. قَوْلُهُ تعالَى: { وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ؛ أي ويُرْشِدُهُمْ إلى طريقِ الحقِّ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } ؛ نزلَتْ في نَصَارَى نَجْرَانَ وهم الماريعقوبية أو اليعقوبية ، قالُوا: إنَّ اللهَ هو المسيحُ بن مريَمَ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } ؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: مَن يَقْدِرُ أن يدفعَ شيئًا من عذاب الله ؛ { إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا } ؛ أي إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ عيسَى ابن مريم وأمَّهُ ، وهذا احتجاجٌ من اللهِ تعالى على النَّصارَى بما لا يَملكون دَفْعَهُ ، إذِ المسيحُ وأمُّهُ بَشَرانِ يأكُلانِ الطعامَ ويحتاجَان إلى ما يحتاجُ إليه الناسُ ، وقد عَلِمُوهُ ضرورةً أنَّهما كَانَا بعدَ أن لَم يَكُونَا ، وشاهدَ كثيرٌ منهم ميلادَ عِيْسَى وحالَهُ مِن الطفولةِ والشَّباب والكُهُولَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ } أي إذا أرادَ اللهُ إهلاكَ عيسَى وأُمَّهُ لَمَا أعجزَهُ ذلكَ ، ولا هناكَ دافعٌ ، وكيفَ يكون إلَهًا مَن لا يقدرُ على دفعِ الْهَلاكِ عن نفسهِ ولا عن غيرِه.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } ؛ أي مَنْ مَلَكَ السَّمواتِ والأرضَ لا يُوصَفُ بالولادةِ. وَقِيْلَ: مَن كان مَالِكُ السَّمواتِ والأرضَ يقدرُ على خَلْقِ وَلَدٍ بلا وَالِدٍ ، كما قال تعالى: { يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ } ؛ أي كما يشاءُ ، بأَبٍ وبغيرِ أبٍ ، ولو كان خَلْقُ عيسَى من غيرِ أبٍ مُوجِبًا كونه إلَهًا وابنَهُ لكانَ خَلْقُ آدمَ من غيرِ أبٍ ولا أمٍّ أوْلَى بذلكَ ؛ لأنه أعجَبُ وأبْدَعُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ؛ مِن خَلْقِ عيسَى وغيرِه قادرٌ على عقوبَتِكم.