قَوُلَهُ تَعَالَى: { مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا } ؛ أي مَن كان يطلبُ العزَّةَ بعبادةِ الأصنام فليطلُبْها بطاعةِ الله تعالى وطاعةِ رسوله صلى الله عليه وسلم ، العزيزُ مَن أعزَّهُ اللهُ. وذلك أنَّ الكفارَ كانوا يعبدُونَ الأصنامَ طَمَعًا في العزَّةِ كما قَالَ اللهُ تَعَالَى: { وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزًّا } [مريم: 81] . أو قِيْلَ: معناهُ: مَن كان يريدُ أن يعلمَ العزَّةَ لِمَن هي فليعلَمْ أنَّها للهِ تعالى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } ؛ إلى اللهِ تصعدُ كلمةُ التوحيدِ وهو قولهُ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ، ومعنى { إِلَيْهِ يَصْعَدُ } أي يعلمُ ذلك كما يقالُ: ارتفعَ الأمرُ إلى القاضِي والسُّلطان أي عَلِمَهُ. وَقِيْلَ: صعودُ الكَلِمِ الطيِّب أن يُرفَعَ ذلك مَكتُوبًا أو مَقبُولًا إلى حيث لا مالِكُ إلاَّ اللهُ ؛ أي إلى سَمائهِ يصعدُ الكَلِمُ الطيِّبُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } ؛ قال الحسنُ: (مَعْنَاهُ: ذُو الْعَمَلِ الصَّالِحِ يُرْفَعُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ إلَى اللهِ تَعَالَى بعَرْضِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ ، فَإنْ وَافَقَ الْقَوْلُ الْفِعْلَ قُبلَ ، وَإنْ خَالَفَ رُدَّ ، لأنَّ الْعَبْدَ إذا وَحَّدَ اللهَ وَأخْلَصَ فِي عَمَلِهِ ارْتَفَعَ الْعَمَلُ إلَى اللهِ تَعَالَى) . قال: (لَيْسَ الإيْمَانُ بالتَّحَلِّي وَلاَ بالتَّمَنِّي ، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْب وَصَدَّقَهُ الْعَمَلُ ، مَنْْ قَالَ حُسْنًا وَعَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ رَدَّهُ اللهُ تَعَالَى ، وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا رَفَعَهُ الْعَمَلُ) .
وقرأ أبو عبدِالرحمن (الْكَلاَمُ الطَّيِّبُ) . وعن أبي هريرةَ عن النبيِّ صلى الله علي وسلم في قولهِ { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ } :"هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: سُبْحَانَ اللهِ ؛ وَالْحَمْدُ للهِ ؛ وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ وَاللهُ أكْبَرُ ، إذا قَالَهَا الْعَبْدُ عَرَجَ بهَا مَلَكٌّ إلَى السَّمَاءِ".
وَقِيْلَ: الكلامُ الطيب: لا إلهَ إلاَّ اللهُ ، والعملُ الصالِحُ: أداءُ فرائضهِ ، ومَن لا يؤدِّي فرضَهُ رُدَّ كلامهُ. وجاءَ في الخبرِ:"طَلَبُ الْجَنَّةِ بلاَ عَمَلٍ ذنْبٌ مِنَ الذُّنُوب"، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"لاَ يَقْبَلُ اللهُ قَوْلًا بلاَ عَمَلٍ"، وعلى هذا المعنَى قولُ الشاعرِ: لاَ تَرْضَ مِنْ رَجُلٍ حَلاَوَةَ قَوْلِهِ حَتَّى يُصَدِّقَ مَا يَقُولُ فَعَالُفَإذا وَزَنْتَ فَعَالَهُ بمَقَالِهِ فَتَوَازَنَا فَإخَاءُ ذاكَ جَمَالُوقال ابنُ المقفَّع: (قَولٌ بلاَ عَمَلٍ كَثَرِيدٍ بلاَ دَسَمٍ ، وَسَحَابٍ بلاَ مَطَرٍ ، وَقَوْسٍ بلاَ وَتَرٍ) . وَقِيْلَ: معناهُ: والعملُ الصالِحُ يرفعهُ اللهُ ؛ أي يَقبَلهُ.
قَوُلَهُ تَعَالَى: { وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } ؛ أي يَفعلُونَها على وجهِ المخادَعة كما كان الكفارُ يَمكُرون بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم في دار النَّدوةِ. وَقِيْلَ: معناهُ: الذين يُشرِكون باللهِ وبعملِ السيِّئات لَهم عذابٌ شديد في الآخرةِ. وَقِيْلَ: أرادَ بقولهِ { يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ } يعمَلون عمَلًا على وجهِ الرِّياءِ.
"كما رُوي أنَّ رجُلًا قالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ فِيمَ النَّجَاةُ غَدًا ؟ فَقَالَ:"لاَ تُخَادِعِ اللهَ ، فَإنَّهُ مَنْ يُخَادِعِ اللهَ يَخْدَعُهُ وَيَخْلَعُهُ مِنَ الإيْمَانِ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ فَكَيْفَ يُخَادَعُ اللهُ ؟ فَقَالَ:"أنْ تَعْمَلَ بمَا أمَرَكَ اللهُ ، لاَ يُقْبَلُ مَعَ الرِّيَاءِ عَمَلٌ ، فَإنَّ الْمُرَائِي يُنَادَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ بأرْبَعَةِ أسْمَاءٍ: يَا كَافِرُ ؛ يَا فَاجِرُ ؛ يَا غَادِرُ ؛ يَا خَاسِرُ ؛ ضَلَّ عَمَلُكَ"قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ } ؛ أي يفسَدُ ويهلَكُ ويكسَرُ ولا يكون شيئًا."