قوله عَزَّ وَجَلَّ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ } ؛ أي قُومُوا بالعدلِ وقُولُوا الحقَّ ، والقَوَّامُ بالقِسْطِ المستعملُ له على حَسَبَ ما يجبُ من إنصافهِ من نفسه ، وإنصافِ كلِّ مظلومٍ من ظالِمِه ، ومنعُ كلِّ ظالِمٍ من ظُلْمِهِ ، ولفظُ القْوَامِ لا يكون إلاَّ للمبالغةِ.
وَالْقِسْطِ وَالإْقْسَاطُ: العَدْلُ ، يقالُ: أقْسَطَ الرجلُ إقْسَاطًا إذاعدَلَ ، وَأَتَّى بالْقِسْطِ وَقَسَطَ يَقْسِطُ قِسْطًا إذا جَارَ ، قال اللهُ تعالى: { وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [الحجرات: 9] أي اعدِلُوا ، وقالَ تعالى: { وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا } [الجن: 15] أي الجائِرُون.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: { شُهَدَآءَ للَّهِ } نُصِبَ على أحدِ ثلاثةِ أوجُهٍ ؛ أحدُها: أنه خبرٌ ثَانٍ ، كما يقالُ: هذا حُلْوٌ حَامِضٌ. والثانِي: على الحالِ ، كما يقالُ: هذا زيدٌ راكبًا. والثالث: على أنه صِفَةُ الْقَوَّامِيْنَ ، فإن قوَّامين نَكِرَةٌ ، وشُهَدَاءَ نَكِرَةٌ ، والنكرةُ تنعتُ بالنَّكرةِ. ومعنى { شُهَدَآءَ للَّهِ } أي شَهِدُوا بالحقِّ للهِ على ما كان مِن قريبٍ أو بعيدٍ.
وَقِيْلَ: معنَى الآية: كُونُوا قَوَّامِيْنَ بالعدلِ في الشَّهادةِ على مَن كانت وَلَوْ عَلَى أنفُسِكُمْ أوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبينَ في الرَّحِمِ ؛ فأقيمُوها عليهِم للهِ ولا تَخافُوا غَنِيًّا لِغِنَاهُ ، ولا ترحَمُوا فقيرًا لِفَقِرِهِ ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا } ؛ أي فلا تَتْرُكُوا الحقَّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ } أي قولُوا الحقَّ وَلَوْ عَلَى أنفُسِكُمْ ، والشهادةُ على النفسِ إقرارٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ } أي على وَالِدِيكُمْ وعلى أقربائِكُم ، وفي هذا بيانُ أنَّ شهادةَ الابن على الوالدين لا تكونُ عُقُوقًا ، ولاَ يَحِلُّ للابن الامتناعُ عن الشهادةِ على أبَوَيْهِ ؛ لأنَّ في الشهادِ عليهما بالحقِّ مَنْعًا لَهما عن الظُّلْمِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا } ؛ معناهُ: إن يكن المشهودُ عليه غَنِيًّا أو فقيرًا فاللهُ أحقُّ بالغنيِّ والفقيرِ من عبادهِ من أحدِهم بوالدَيهِ وقَرَابَاتِهِ وأرحمُ وأرْأَفُ ، فَأقيمُوا الشهادةَ للهِ ، لا تَميلُوا في الشهادِةِ رحمةً للفقيرِ ، ولا تقصدوا إقامتَها لاحتمال غِنى الغنيِّ ؛ أي لأجلِ غِنَاهُ ، وعن هذا قال صلى الله عليه وسلم:"أُنْصُرْ أخَاكَ ظَالِمًا أوْ مَظْلُومًا"قِيْلَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ كَيْفَ يَنْصُرُهُ ظَالِمًا ؟ قَالَ:"أنْ تَرُدَّهُ عَنْ ظُلْمِهِ فَإنَّ ذلِكَ نَصْرُهُ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ } ؛ معناهُ: ولا تتَّبعوا الهوَى لِتَعْدِلُوا ، وهذا كما يقالُ: لاَ تَتَّبعِ الهوَى لِرِضَى رَبكَ. وَيُقَالُ: معناهُ: لا تَتَّبعُوا أنْ لا تعدِلُوا ، ويقالُ: كراهةَ أنْ تعدلُوا ، وهذا كقولهِ تعالى: { يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } [النساء: 176] ويقالُ: معنى تَعْدِلُوا: تَمِيْلُوا من الْحَقِّ إلى الْهَوَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } ؛ من قرأ (تَلْوُوا) بواوَين فمعناهُ: أن تُمَاطِلُوا في إقامةِ الشَّهادَةِ وتُقَلِّبُوا اللسانَ لتفسِدُوا الشهادةَ ، أوْ تُعْرِضُوا عن إقامةِ الشَّهادةِ مأخوذٌ مِن لَوَى فُلاَنٌ فِي دِيْنِهِ ؛ أي دَافَعَ ، ومنه قولهُ صلى الله عليه وسلم: