فهرس الكتاب

الصفحة 774 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } ؛ أي هو الْغَالِبُ لعبادهِ الْمُسْتَعْلِي عليهم بالقدرَةِ ، وليس معنى (فَوْقَ) معنى المكان ؛ لاستحالةِ إِضافَةِ الأماكنِ إلى الله ، وإنَّما معناهُ الْغَلَبَةُ والقدرةُ ، ونظيرهُ: فلانٌ فَوْقَ فلانٍ في العلمِ ؛ أي أعْلَمُ منهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } ؛ معناه: وَالْمُرْسِلُ عَلَيٍْكُمْ حَفَظَةً ، فاكتفَى بالفعلِ عن الاسم. وَالْحَفَظَةُ: هُمُ الْمَلاَئِكَةُ يحفظونَ على العبادِ أعمالَهم على ما تقدَّم.

وقد وردَ في الخبرِ: أن على كلِّ واحدٍ منَّا ملَكين بالليلِ ؛ وملَكين بالنهار ، يكتبُ أحدُهما الحسناتِ ؛ والآخرُ السيِّئاتِ ، وصاحبُ اليمينِ أميرٌ على صاحب الشِّمال ، فإذا عَمِلَ العبدُ حسنةً ؛ كتبَ له بعَشْرِ أمثالِها ؛ وإذا عَمِلَ سيِّئةً فأرادَ صاحبُ الشِّمال أن يكتبَ ؛ قال له صاحبُ اليمين: أمْسِكْ ، فيمسِكُ عنه ستِّ ساعاتٍ أو سبع ساعات ، فإنْ هو استغفرَ اللهَ تعالى ؛ لم يكتُبْ عليه ، وإن لم يستغفرْ يكتب عليه سيِّئةً واحدةً.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ } معناه: حَتَّى إذا حضرَ أحَدَكُمْ الْمَوْتُ ؛ قبضَ روحَهُ مَلَكُ الموتِ وأعوانُه ، وَهُمْ لا يقصِّرونَ ولا يؤخِّرونَه طرفةَ عينٍ ، فإن قيلَ: كيفَ هنا { تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } وقال في آيةٍ أخرى: { قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ } [السجدة: 11] ؟ قيلَ: إنَّ مَلَكَ الموتِ هو الذي يقبضُ الأرواحَ كلَّها وهو القائمُ بذلك ؛ إلا أنَّ له أعوانًا ؛ فتارةً أضافَ قبضَ الروحِ إلى مَلَكَ الموتِ ؛ لأنه هو المختصُّ بذلك ، وتارةً أضافَهُ إليه وإلى غيرِه ؛ لأنَّهم يَصْدُرُونَ في ذلك عن أمرهِ.

وقال مجاهدُ: (جُعِلَتِ الأََرْضُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ كَالطَّشْتِ يَتَنَاوَلُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ ، ولَهُ أعْوانٌ يَتَوَفَّوْنَ الأَنْفُسَ ، ثُمَّ يَقْبضُهَا مِنْهُمْ) . ويقالُ: إنَّ أعوانَ مَلَكِ الموت يستخرجون الروحَ من الأعضاءِ عُضْوًا عُضْوًا ، حتى إذا جَمَعُوهُ في صدرهِ وجعل يُغَرْغِرُ به ؛ قبضَهُ حينئذٍ مَلَكُ الموتِ.

وقد رويَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنَّهُ دَخَلَ عَلَى مَرِيْضٍ يَعُودُهُ ، فَرَأَى مَلَكَ الْمَوْتِ عِنْدَ رَأسِه ؛ فقَالَ:"يَا مَلَكَ الْمَوْتِ ؛ ارْفُقْ بهِ ، فإِنَّهُ مُؤْمِنٌ ، فقَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ: ياَ مُحَمَّدُ ؛ أبْشِرْ وَطِبٍ نَفْسًا وَقَرَّ عَيْنًا ؛ فإِنِّي بكُلِّ مُؤْمِنٍ رَفِيْقٌ ، إنِّي لأقْبضُ رُوحَ الْمؤْمِنِ فَيُصْعَقُ أهْلُهُ فَأعْتَزِلُ فِي جَانِبِ الدَّار ، فأََقُولُ: مَا لِي مِن ذنْب ، وَإِنِّي لَمَأْمُورٌ ، وَإنَّ لِي لَعَوْدَةً فَالْحَذرَ الْحَذرَ ، وَمَا مِنْ أهْلِ بَيْتِ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ ، فِي بَحْرٍ أو بَرٍّ ، إلاَّ وأَنَا أَتَصَفَّحُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، حَتَّى أنِّي لأَعْلَمُ بصَغِيْرِهِمْ وَكَبيْرِهِمْ مِنْهُمْ بأَنْفُسِهِمْ ، وَاللهِ لَوْ أَرَدْتُ أنْ أقْبضَ رُوحَ بَعُوضَةٍ لَمَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا حَتَّى يَأْمُرَنِي اللهُ تَعَالَى بقَبْضِهَا"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت