وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَـاهًا وَاحِدًا } ؛ أي قالُوا لفَرْطِ جَهلِهم على وجهِ الإنكار: أجعَلَ مُحَمَّدٌ الآلِهَةَ إلَهًا واحدًا ؟ { إِنَّ هَـاذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } ؛ أمَّّا هذا الذي يقولُ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم من ردِّ الحوائجِ إلى إلَهٍ واحدٍ ، إلاَّ شيء مُفْرِطٌ في العَجَب.
والعُجَابُ: ما يكون في غايَةِ العَجَب ، يقالُ: رجلٌ طُوَالٌ ، وأمْرٌ كُبَارٌ ، وسيفٌ قُطَاعٌ ، وسَيلٌ جُحَافٌ ، ويرادُ بذلك كلَّ مبالغةٍ.
"وذلك أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّاب لَمَّا أسلمَ شَقَّ على قُريشٍ ، فقال الوليدُ بن المغيرةِ للمَلأ مِن قريشٍ وهم الرُّؤساءُ والصَّناديدُ والأشرافُ ، وكانوا خَمسةً وعشرين رَجُلًا ، منهم الوليدُ بن المغيرة وهو أكبَرُهم سِنًّا ، وأبو جهلٍ ، وأُبَيُّ بن خلَفٍ ، وأبو البحتري بن هِشَام ، وعُتبة وشيبَةُ ابنَا ربيعةَ ، والعاصُ بن وائلٍ ، والنضِرُ بن الحارثِ ، ومَخرَمَةُ بن نوفلٍ ، وزمعَةُ بن الأسودِ ، والأحنَفُ بن شُريقٍ ، وغيرُهم."
قال لَهم الوليدُ بن المغيرة: امْشُوا إلَى أبي طَالِبٍ وَقُولُواْ لَهُ: أنْتَ شَيْخُنَا وَكَبيرُنَا ، وَإنَّا أتَيْنَاكَ لِتَقْضِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ أخِيْكَ. فَمَشُواْ إلَيْهِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مَرِيضٌ مَرَضَ الْمَوْتِ ، فَشَكُواْ إلَيْهِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أخِي مَا تُرِيْدُ مِنْ قَوْمِكَ ؟ قَالَ:"أُريدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً إذا قَالُوهَا مَلَكُواْ الْعَرَبَ وَدَانَتْ لَهُمْ الْعَجَمُ"فَقَالُواْ: وَمَا هِيَ؟! قَالَ:"قُولُواْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ"فَنَفَرُواْ مِنْ ذلِكَ ؛ وَقَالُواْ: أنَجْعَلُ آلِهَةً إلَهًا وَاحِدًا؟!""
وَقِيْلَ:"إنَّ أبا طالبٍ لَمَّا دعَا النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: با ابنَ أخِي ؛ هؤلاءِ قومُكَ يسألونكَ السَّواءَ ، فلا تَمِلْ كلَّ الميلِ عليهم ، فقال:"وَمَاذا يَسْأَلُونَنِي ؟"قال: ترفضُ ذكرَ آلهِتهم ويدَعُونَكَ وإلَهَكَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"إنِّي أدْعُوهُمْ إلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ"قَالُوا: وما هي ؟ قَالَ:"لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ"".
فنَفَرُوا من ذلكَ ، وقال: { أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَـاهًا وَاحِدًا } ، فاغتاظوا مِن ذلكَ وخرَجُوا من عندِ أبي طالبٍ يقولُ بعضهم لبعضٍ: أمشُوا واصبروا على آلهتِكُم. فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ } ؛ أي انطلقَ مِن مجلسهم وهم يقولون الذي كانوا فيه عندَ أبي طالب ، وهم يقولون: اثبتُوا على عبادةِ آلهتِكُم واصبروا ، { أَنِ امْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَى آلِهَتِكُمْ } ؛ على دِينكم ، { إِنَّ هَـاذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ } ؛ أي هذا الشيءُ يريده مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم ولا يتمُّ له ذلك.