قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } ؛ قيل: معناه لا يَمنعكم تخريبُ من خرَّب مساجد الله أن تذكروهُ حيث كنتم من أرضه. وقال ابن عباس: (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي سَفَرٍ قَبْلَ تَحْوِيْلِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ ، فَأَصَابَهُمُ الضَّبَابُ ، وَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ ، فَتَحَرَّوا الْقِبْلَةَ فَصَلُّوا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ صَلَّى قِبَلَ الْمَشْرِقِ ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ صَلَّى قِبَلَ الْمَغْرِب. فَلَمَّا ذَهَبَ الضَّبَابُ اسْتَنَارَ لَهُمْ أنَّهُمْ لَمْ يُصِيْبُوا ، فَلَمَّا قَدِمُواْ ؛ سَأَلُواْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذلِكَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) . وقال عبدُالله بن عامر:[كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي لَيْلَةٍ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةٍ ؛ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الأَحْجَارَ فَيَعْمَلُ مَسْجِدًا فَيُصَلِّي فِيْهِ ، فَلَمَّا أصْبَحْنَا إذَا نَحْنُ قَدْ صَلَّيْنَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
وقال عبدُالله بن عمرَ: نَزَلَتْ فِي صَلاَةِ الْمُسَافِرِ يُصَلِّي حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بهِ رَاحِلَتُهُ تَطَوُّعًا ؛"كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ أيْنَمَا تَوَجَّهَتْ بهِ"وقال عكرمةُ: (نَزَلَتْ فِي تَحْوِيْلِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ لَمَّا صَلَّى إلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَمَا كَانَتْ قِبْلَتُهُمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، قَالَتِ الْيَهُودُ: يُصَلُّونَ مَرَّةً هَكَذَا ، وَمَرَّةً يُصَلُّونَ هَكَذَا! فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) .
فإنْ قِيْلَ: لِمَ قال: { الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } على التوحيد وله المشارق والمغارب ؟ قيل: لأنه أخرجهُ مخرجَ الجنس كما يقال: أهلَكَ اللهُ الدينارَ والدرهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } ؛ أي رضَى اللهِ كقوله تعالى: { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ } [الإنسان: 9] أي لرضَاه. وقيل: معناه { فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } أي عِلْمُهُ محيطٌ بهم. وقيل: معناه: فأينما تُوَلُّوا وجوهَكم أيها المؤمنون في سفرِكم وحضَرِكم فثمَّ قِبْلَةُ اللهِ التي وجَّهتكم إليها فاستقبلُوها ؛ يعني الكعبةَ.
وقال الكلبيُّ: (مَعْنَاهُ: فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ تَعَالَى يَرَى وَيَعْلَمُ) . والوجهُ صلةٌ كقوله: { تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ } [الروم: 39] أي تريدونه بالدعاء. وقوله: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [القصص: 88] أي إلا هُو. وقوله: { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ } [الرحمن: 27] أي يبقى ربُّكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ؛ قال الكلبيُّ: (يَعْنِي: وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) . وقال أبو عُبيدة: (الْوَاسِعُ: الْغَنِيُّ) . يقال: فلان يُعْطِي مِن سَعتهِ ؛ أي من غِنَاهُ. وقال الفرَّاء: (الْوَاسِعُ: الْجَوَادُ الَّذِي يَسَعُ عَطَاؤُهُ كُلَّ شَيْءٍ) . وقيل: الواسعُ: الرحيمُ ؛ دليله { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } [الأعراف: 156] . وقيل: الواسع: العالِم الذي يسعُ علمه كل شيء. وقال الله تعالى: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ } [البقرة: 255] . وقوله { عَلِيمٌ } أي عالِم بنيَّاتِهم حيثما صَلَّوا ودَعَوا.