فهرس الكتاب

الصفحة 2925 من 4495

قوله تعالى: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } ؛ أي لا تحملُ يومَ القيامةِ حمل حاملةٍ أُخرى ؛ أي لا تؤخذُ نفسٌ بذنب غيرِها ، { وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ } ؛ بالذُّنوب ، { إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ } ، إلى أن يُحمَلَ عنها شيءٌ من ذنوبها لا تُحمَلُ مِن ذنوبها شيءٌ ، { وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } ، ولو كانت المدعوَّةُ ذاتَ قرابةٍ من الداعيةِ لِمَا في ذلك مِن غِلَطِ حملِ الآثام ، ولو تحمَّلتْهُ لا يُقبَلُ حملها ؛ لأن كلَّ نفسٍ بما كسبَتْ رهينةٌ ، فلا يؤخَذُ أحدٌ بذنب غيرهِ.

وسُئل الحسنُ بن الفضلِ عن الجمعِ بين هذه الآيةِ وبين قولهِ { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } [العنكبوت: 13] فقالَ (قَوْلُهُ { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } يَعْنِي طَوْعًا ، وَقَوْلُهُ { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } [العنكبوت: 13] يَعْنِي كَرْهًا) . قال ابنُ عبَّاس: في قولهِ { وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ } قال: (يَقُولُ الأَبُ وَالأُمُّ: يَا بُنَيَّ احْمِلْ عَنِّي ، فَيَقُولُ: حَسْبي مَا عَلَيَّ) .

قوله تعالى: { إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ } ؛ يقولُ: إنما ينتفعُ بإنذارِكَ ووَعْظِكَ الذين يُطيعون ربَّهم في السرِّ ، { وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ } ؛ المفروضةَ ، ولأن مَن خَشِيَ اللهَ واجتنبَ المعاصي في السرِّ مِن خشيةِ الله تعالى ، اجتنبَها لا محالةَ في العَلانيةِ.

ويقال: إنَّ الخشيةَ في السرِّ ، والإقدامَ على الطاعةِ في السرِّ ، واجتنابَ المعصيةِ في السرِّ ، أعظمُ عندَ اللهِ ثوابًا ، كما قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَا تَقَرَّبَ امْرِئٌ بشَيْءٍ أفْضَلَ مِنْ سُجُودٍ خَفِيٍّ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ"وأما عطفُ الماضِي في قولهِ تعالى { وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ } على المستقبَلِ في قولهِ { يَخْشَوْنَ } ، ففائدةُ ذلك أنَّ وجوبَ خشيةِ الله لا تختصُّ بزمانٍ دون زمانٍ ولا بمكان دون مكانٍ ، ووجوبُ إقامةِ الصَّلاة يختصُّ ببعضِ الأوقاتِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ } ؛ أي ومَن تطَهَّرَ من دَنَسِ الذُّنوب والشِّركِ ليكون عند ربه زكيًّا ، فإن منفعةَ تطَهُّرهِ راجعةٌ إلى نفسهِ ، { وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } ؛ أي إليه يرجعُ الخلق كلُّهم في الآخرةِ ، { وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ } ؛ يعني الْمُشرِكُ والمؤمنُ ، { وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ } ؛ أي ولا الشِّركُ ولا الضَّلالُ كالنور والهدى والإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت