قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (وَذلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ عَادَ إلَى قَتْلِ أبْنَائِهِمْ ، وَزَأدَ فِي إتْعَابهِمْ فِي الْعَمَلِ ، إذْ كَانَ يَسْتَعْمِلُهُمْ قَبْلَ مَجِيْءِ مُوسَى بضَرْب اللَّبنِ وَالْبنَاءِ ، فَلَمَّا أتَاهُمْ مُوسَى غَضِبَ وَكَلَّفَهُمْ أيْضًا أشَدَّ مِنْ ذلِكَ) .
قال وهبُ: (جَعَلَهُمْ أصْنَافًا فِي خِدْمَتِهِ: قَوْمٌ يَحْمِلُونَ السَّوَاري مِنَ الْجِبَالِ ؛ وَقَدْ قُرِحَتْ أعْنَاقُهُمْ وعَوَانِقُهُمْ وَدَبَرَتْ ظُهُورُهْم مِنْ ثِقَلِ ذلِكَ ، وَقَوْمٌ قَدْ جُرِحُوا مِنْ ثِقْلِ الْحِجَارَةِ وَالطِّيْنِ لِلْبنَاءِ ، وَقَوْمٌ يَبْنُونَ الطِّيْنَ وَيَطْبخُونَ الآجُرَّ ، وَقَوْمٌ نَجَّارُونَ ، وَقَوْمٌ حَدَّادُونَ. وَأمَّا الضُّعَفَاءُ الَّذِيْنَ لاَ يُطِيْقُونَ الْعَمَلَ ؛ فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ الْخَرَاجَ يُؤَدُّونَهُ كُلَّ يَوْمٍ ، فَمَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ قَبْلَ أنْ يُؤَدِّيَ غُلَّتْ يَمِيْنُهُ إلَى عُنْقِهِ. وَأمَّا النِّسَاءُ فَيَغْزِلْنَ الْكِتَّانَ وَيَنْسِجْنَهُ) .
فلما شَكَوا إلى موسى (قًَالُوا: أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) ، { قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ } ؛ يعني فرعونَ وقومه ، { وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ } ؛ أي ويجعلَ لكم سَكَنًا في أرضِ مصرَ مِن بعدهم. و (عَسَى) كلمةُ إطماعٍ وما أطمعَ اللهُ فيه فهو واجبٌ ؛ لأن الكريمَ إذا أطمعَ وإذا وَعَدَ وفَّى ، فيصيرُ كأنهُ أوْجَبَهُ على نفسهِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ } { فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } ؛ أي فَيَرَى عملَكم كيف تشكرون صُنْعَهُ ، كأنهُ قال: وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ ؛ لكي تعملوا بطاعةِ الله.