فهرس الكتاب

الصفحة 2760 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } ؛ نزلت هذه الآيةُ وما بعدَها في النَّضرِ بن الحارثِ ، كان اشترَى كُتبًا فيها أخبارُ الأعاجمِ ، ويحدِّثُ بها أهلَ مكَّة ، ويتمَلَّقُ بها في المجالسِ ، ويقولُ: إنَّ مُحَمَّدًا يحدِّثُكم أحاديثَ عادٍ وثَمودَ ، وأنا أُحدِّثُكم أحاديثَ فارس والروم ، وأقرأُ عليكم كما مُحَمَّدٌ يقرأ عليكم أساطيرَ الأوَّلين هو يأتِيكم بكتابٍ فيه قصصُ الأممِ الماضيةِ ، وأنا أتيتُ بمثلهِ! وكانوا يستَمْلِحُون حديثَهُ ، وكان إذا سَمِعَ شيئًا من القُرْآنِ يهزأُ به ويُعرِضُ عنهُ. فذلكَ قولهُ: { وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } ؛ أي ليصرِفَ الناسَ عن دِين الله بلا علمٍ ، ومن قرأ (لِيَضِلَّ) بفتحِ الياء ، فمعناهُ: ليتَشَاغَلَ بما يُلهِيهِ ، وليصير أمرهُ إلى الضَّلال والباطلِ.

ومعنى قولهِ تعالى { لَهْوَ الْحَدِيثِ } أي باطلُ الحديثِ ، هذا قولُ الكلبيِّ ومقاتل ، وَقِيِْلَ: المرادُ بلَهْوِ الحديثِ الغناءُ ، وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لاَ يَحِلُّ تَعْلِيْمُ الْمُغَنِّيَاتِ وَلاَ بَيْعُهُنَّ وَلاَ شِرَاؤُهُنَّ ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ ؛ مَا رَفَعَ رَجُلٌ قًطُّ عَقِيْرَتَهُ يَتَغَنَّى إلاَّ ارْتَدَفَهُ شَيْطَانَانِ يَضْرِبَانِ بأَرْجُلِهِمَا عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرهِ حَتَّى يَسْكُتْ"، وهذا قولُ سعيدِ بن جُبير ومجاهد وابنِ مسعودٍ ، قالوا: (هُوَ وَاللهِ الْغِنَاءُ ، وَاشْتِرَاءُ الْمُغَنِّيَةِ وَالْمُغَنِّي بالْمَالِ) .

وقال صلى الله عليه وسلم:""مَنْ مَلأَ مَسَامِعَهُ مِنْ غِنَاءٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ أنْ يَسْمَعَ أصْوَاتَ الرُّوحَانِيِّيْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"قِيْلَ: وَمَا الرُّوحَانِيُّونَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ:"أهْلُ الْجَنَّةِ""، وعن إبراهيمَ النخعيِّ أنه قالَ: (الْغِنَاءُ يُنبتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْب) وقال مكحولُ: (مَنِ اشْتَرَى جَاريَةً ضَرَّابَةً لِيُمْسِكَهَا لِغِنَائِهَا وَضَرْبها مُقِيْمًا عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي أنه جاهلٌ فيما يفعلُ ، لا يفعلهُ عن عِلْمٍ ، { وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا } بالرفعِ عطفًا على { مَن يَشْتَرِي } ، وبالنصب عَطفًا على { لِيُضِلَّ } ، والكتابةُ المذكورة تعودُ إمَّا إلى الآياتِ المذكورةِ في أوَّل السورةِ ، وإما إلى (سَبيْلِ اللهِ) ، والسبيلُ يُؤَنَّثُ لقولهِ { قُلْ هَـاذِهِ سَبِيلِي } [يوسف: 108] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت