قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَمَآ آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ } ؛ أي ما صدَّقَ بموسى وبما جاءَ به إلا ذريَّته من قومِ فرعون ، وهم قومٌ كان آباؤُهم من القِبْطِ وأمَّهاتُهم من بني إسرئيل ، فآمَنوا بموسى واتَّبعُوا أمَّهاتَّهم وأخوالَهم ، ولم يُسلِمْ آباؤُهم الذي كان موسى عليه السلام مبعوثًا اليهم.
وقال الحسنُ: (أرَادَ بقَوْلِهِ تَعَالَى(إلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَْوْمِ مُوسى) كَانَ فِرْعَونُ أجْبَرَهُمْ عَلَى تَعَلُّمِ السِّحْرِ وَجَعَلَهُمْ مِنْ أصْحاب نَفْسِهِ ، فَلَمَّا أسْلَمَتِ السَّحَرَةُ وَآمَنُوا بمُوسَى اتَّبَعَهُمْ هَؤُلاَءِ الذُّرِّيَّةُ فِي الإيْمَانِ). وكان يقولُ: (لَمْ يُؤْمِنْ مِنَ الْقِبْطِ أحَدٌ إلاَّ الْمُؤمِنُ الَّذِي يَكْتُمُ إيْمَانَهُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ) .
قولهُ: { عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ } معناهُ على القول الأول: آمَنت به ذريَّتهُ على خوفٍ من فرعون وآبائِهم وقومِهم. وعلى القول الثاني: على خوفٍ من فرعون وأشرَافِهم ورُؤسائهم أن يعلمَ الأشرافُ أمرَهم فيُخبروا فرعونَ فيقتُلَهم ويعذبَهم أو يصرفَهم عن دينهم. وقال الزجَّاج: (إنَّمَا قَالَ: { فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ } لأَنَّ فِرْعَوْنَ ذا أصْحَابٍ يَأْتَمِرُونَ بهِ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ } ؛ أي لَمُسْتَكْبرٌ في أرضِ مصر ، { وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ } ؛ في الكفر والمعاصي ، والإسرافُ: هو التجاوزُ عن الحدِّ في كلِّ شيءٍ. وعن محمَّد بن المنكدرِ قَالَ: (عَاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاَثَمِائَةً وَاثْنَيْنِ وَِعِشْرِِينَ سَنَةً لَمْ يَرَ مَكْرُوهًا ، وَدَعَا مُوسَى عليه السلام ثَلاَثِينَ سنةً) .