{ ياأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } ؛ الخطابُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنون داخِلُون فيهِ ؛ لأن خطابَ الرئيسِ خطابٌ للأَتباعِ ، خُصوصًا إذا كانوا مأْمُورين بالاقتداءِ به ، والمعنى: يا أيُّها النبيُّ إذا أردتَ أنتَ وأُمَّتُكَ الطلاقَ ، فطَلِّقوا النساءَ لعِدَّتِهِنَّ ، وهذا كقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ } [المائدة: 6] أي أرَدتُم القيامَ.
والطلاقُ للعدَّةِ هو أن يطلِّقَها في طُهرٍ لم يَمسَّها فيه ، لما رُوي"أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الطَّلاَقِ:"طَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ ، أوْ حَامِلًا قَدِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا"ويقالُ في معنى الطَّلاقِ للعدَّة: أن يُفرِّقَ الطلاقَ الثلاثَ على أطْهَار العدَّةِ ، فيطلِّقُها في كلِّ طُهرٍ لم يمسَّها فيه تطليقةً."
والطلاق السُّني: أن يُطلِّقَها في طُهرٍ لم يُجامِعها فيه ، فقد رُوي:"أنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا طَلَّقَ امْرَأتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ وَتَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى ، ثُمَّ تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا ، فَإذا أرَادَ أنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ قَبْلَ أنْ يُجَامِعْهَا"فتلكَ العدَّةُ التي أمرَ اللهُ أن تطلَّقَ لها النساءُ.
والطلاقُ البْدِعْيُّ: أن يقعَ في حال الحيضِ ، أو في طُهرٍ قد جامَعها فيه ، وهو واقعٌ وصاحبهُ آثِمٌ ، ورُوي:"أنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرأتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، فَذكَرَ عُمَرُ ذلِكَ لِلنِّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، فَإذا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا إنْ شَاءَ"قُلْتُ: وَيَحْتَسِبُ لَهَا ؟ قَالَ:"فَمَهْ ؟"".
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ } ؛ إنما أمرَ بإحصاءِ العدَّة لتوزيعِ الطَّلاق على الأطهار ، والمعنى بذلكَ: أحصُوا عدَّةَ المطلَّقات لِمَا تُريدون من رجعةٍ أو تسريح ، فإذا حاضَتِ المعتدَّةُ حيضةً وطَهُرت ، فأرادَ الزوجُ أن يطلِّقَها ثانيةً قبلَ أن تحيضَ ، فإذا حاضَتْ وطَهُرت طلَّقَها أُخرى إنْ شاءَ ، فتَبينُ الثلاثُ وقد بقي من عدَّتِها حيضةٌ.
قَوْلُه تَعَالَى: { وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ } ؛ أي أتَّقوهُ في النِّساء إذا طلَّقتمُوهن واحدةً أو اثنتينِ أو ثلاثًا ، { لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ } ؛ التي طلَّقتُموهن فيها ، وهي بيوتُ أزواجِهن ، والمعنى: اتَّقوا اللهَ فلا تَعْصُوهُ فيما أمَرَكم به ، فلا يجوزُ للزوجِ أن يُخرجَ المطلَّقة المتعدَّة من مَسْكَنِهِ الذي كان يُساكنها فيه قبلَ الطَّلاق.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } ؛ أي ولا يَخرُجْنَ من قِبَلِ أنفُسِهن حتى تنقضي عدَّتُهن ، ولهذا لا يباحُ لها السفرُ في العدَّة ، ولا يباحُ لها التزوُّج وإنْ أذِنَ لها الزوجُ. وأما المنكُوحة فيجوزُ لها الخروج من المنْزِل بإذنِ الزوج.
قوله تعالى: { إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } أي لا يَخرُجن إلاَّ أن يكون خروجُهن معصيةً ، وقال الحسنُ: (مَعْنَاهُ: إلاَّ أنْ يَزْنِينَ فَيَظْهَرُ ذلِكَ الزِّنَا عَلَيْهَا بشَهَادَةِ أرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهُودِ ، فَيَخْرُجْنَ لإقَامَةِ الْحُدُودِ) .