قوله عزَّ وَجَلَّ: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } ؛ خطابٌ لأصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وهوَ يَعُمُّ سَائِرَ أمَّتِهِ. قال الحسنُ: (نَحْنُ آخِرُ الأُمَمِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ) . وقيل معنى { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } أي كنتم في اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، وقيل: كنتم مُذْ كُنْتُمْ ، وقيلَ: الكافُ زائدةٌ ؛ أي أنْتُمْ خَيْرُ أمَّةٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ } أي بالتَّوحيدِ واتِّباعِ الشَّريعةِ ، { وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } أي عن الشِّرْكِ والظُّلمِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } أي تُوَحِّدُونَ اللهَ تعالى بالإيْمان باللهِ وتصديقِ رُسُلِهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ؛ لأنَّ مَن كَفَرَ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُوَحِّدِ اللهَ تعالى ، ودليلُ هذا التأويلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ } ؛ أي لو صَدَقَ اليهودُ والنصارى مع إيْمانِهم بالله تعالى إيْمَانَهم بنَبيِّهِ صلى الله عليه وسلم لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِن الإقامةِ على دِينهم.
وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ:"أنْتُمْ تُتِمُّونَ عَلَى سَبْعِيْنَ أمَّةٍ ؛ أنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ"وقال صلى الله عليه وسلم:"أهْلُ الْجَنَّةِ عُشْرُونَ ومِائَةُ صَفٍّ ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ"وقالَ صلى الله عليه وسلم: إنَّ الْجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتِيوقال صلى الله عليه وسلم:"أُمَّتِي أمَّةٌ مَرْحُومَةٌ ؛ إذا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُعطِيَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ ؛ فَيُقَالُ لَهُ: هَذا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ"
وقيل لعيسَى عليه السلام: يَا رُوحَ اللهِ ؛ هَلْ بَعْدَ هَذِهِ الأُمَّةِ أُمَّةٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ ؛ أُمَّةُ أحْمَدَ صلى الله عليه وسلم عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ حُلَمَاءُ ؛ أبْرَار أتْقِيَاءُ كَأَنَّهُمْ مِنَ الْعِفَّةِ أنْبيَاءُ ؛ يَرْضَوْنَ مِنَ اللهِ بالْيَسِيْرِ مِنَ الرِّزْقِ ؛ وَيَرْضَى اللهُ تَعَالَى مِنْهُمْ بالْيَسِيْرِ مِنَ الْعَمَلِ ؛ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِشَهَادَةِ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ.
قولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ } ؛ يعني أهلَ الكتاب منهمُ المؤمنونَ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلاَمَ وأَصحابُه ، وسائرُ من أسلمَ مِن أهلِ الكتاب. { وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } ؛ أي الكافرونَ الخارجونَ عن أمرِ الله ، وهم الذين لَمْ يُسْلِمُواْ منهُم.