قوله عَزَّ وَجَلَّ: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ } ؛ أي أظننتُم أيها المؤمنون أنْ تدخلوا الجنةَ ولم تصبكم صِفَةُ الذين مُحِنُوا من قبلكم ؛ أي ولم تُبْتَلُواْ كما ابْتُلِيَ الذين من قبلكم ، { مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ } أي الشدَّةُ وهي القتلُ ، { وَالضَّرَّآءُ } والبلاءُ والفقرُ والمرض. وقيل: البأساء: نقيضُ النعماءِ ، والضرَّاء: نقيض السرَّاء.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ } ؛ أي حُرِّكُوا وخوِّفوا { حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ } أي جاهدوا حتى قال كلُّ رسولٍ بُعِثَ إلى أمته: متى فتحُ الله ؟ يقول الله تعالى: { أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } ؛ يعني ألا إنَّ نصرَ الله لك ولأُمتكَ يا محمدُ قريبٌ عاجلٌ كما نَصَرْتُ الرسلَ قبلك ، والمثلُ قد يُذكر بمعنى الصفةِ كما قال الله تعالى: { مَّثَلُ الْجَنَّةِ } [الرعد: 35] أي صفةُ الجنة ، ذهب السديُّ إلى أن هذه الآيةَ نزلت بالمدينةِ يوم الخندق حين اشتدَّت مخافةُ المؤمنين من العدوِّ.
ووجهُ إيصال هذه الآية بما قبلها: أنَّ الله تعالى قالَ فيما تقدَّم: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً } [البقرة: 208] ثم قالَ: { فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ } [البقرة: 213] . وكان المسلمون اتَّكَلُواْ على مجرَّد اهتدائهم ، فبيَّن اللهُ في هذه الآية أنه لا يجوزُ الاتِّكالُ على مجرَّدِ الإيمان من غير مُكَابَدَةِ ما قَاسَاهُ السلفُ من المؤمنين كما قالَ تعالى: { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } [العنكبوت: 2] .
وأما القراءةُ في قوله تعالى: { حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ } من نصبَ فعلَى الأصلِ ؛ لأن { حَتَّى } تنصبُ الفعل. ومن قرأ بالرفعِ أدخلَ (حتى) على جملةِ ما بعده لا على الفعلِ خاصة ؛ كأنه قالَ: حتى الرسولُ يقولُ ، فلا يظهرُ عمل (حتى) . قال الشاعرُ: فَيَا عَجَبَا حَتَّى كُلَيْبٌ تَسُبُّنِي كَانَ أبَاهَا نَهْشَلٌ أوْ مُجَاشِعُ