فهرس الكتاب

الصفحة 4469 من 4495

{ لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ } ؛ اختلَفُوا في هذه اللامِ المذكورة ، قال بعضُهم: هي لام كَي أي"متعلق بـ" { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ } [الفيل: 5] أو لِيُؤلِفَ قُرَيشًا.

ثم فسَّرَ الإيلافَ فقال تعالى: { إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصَّيْفِ } ؛ أي ليؤلِفَهم رحلةَ الشِّتاء ورحلةَ الصيفِ. وإنما قال ذلكَ لأنَّهم لَمَّا خافوا من أبرهةَ ، فتفرَّقوا في البلادِ ، فمَنَّ الله عليهم فقهَرَ عدُوَّهم.

وكانت مكَّة بلدًا لم يكن فيها زرعٌ ولا شجَر ؛ ولا رطبٌ ، وكان معاشُ أهلها ما يُنقَلُ إليها ، فأهلكَ اللهُ عدُوَّهم ليأْتَلِفُوا ؛ لأن تألِيفَ رحلةِ الشتاء والصيفِ في التجارة ، ولولا تجارتُهم في هاتَين الرِّحلتين لاضطَرُّوا إلى الخروجِ والتفرُّق في البوادِي ، فأرادَ اللهُ أن يكثُروا بمكَّة إلى أن يبعثَ اللهُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم منهم نبيًّا إليهم وإلى غيرِهم.

وكان بعضُهم يعدُّ السُّورَتين سورةً واحدة ، وقال سُفيان بن عيينة: (( كَانَ لَنَا إمَامٌ لاَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا وَيَقْرَأهُمَا مَعًا ) ). وقال عمرُو بن مَيمون: (( صَلَّيْتُ خَلْفَ عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّاب رضي الله عنه صَلاَة الْمَغْرِب ، فَقَرَأ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى { وَالتِّينِ } [التين: 1] ، وَفِي الثَّانِيَّةِ { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ } [الفيل: 1] وَ { لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ } . والمعنى: أنَّ هلاكَ أصحاب الفيل كان سَببًا لبقاءِ إيلافِ قُريش ، ونظامِ حالهم.

وقريشٌ هم ولَدُ النَّضِرِ بن كِنَانَةَ ، فمن وَلَدَهُ النَّضِرُ فهو قُرَشيٌّ ، ومن لم يَلِدْهُ فليس بقرَشِيٍّ. وعن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنه قالَ:"إنَّ اللهَ اصْطََفَى بَنِي كِنَانَةَ ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمَ"وسُمُّوا قُريشًا من التَّقْرِيشِ ؛ وهو التكسُّبُ والتقلب والجمعُ والطلب ، وكانوا قَومًا تُجَّارًا على المالِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصَّيْفِ } بدلٌ من الإيلافِ الأوَّل. واختلَفُوا في انتصاب (رحْلَةَ) ، فقيل: انتصبَ على المصدر ؛ أي ارتِحالُهم رحلةً ، وإنْ شئتَ نصَبتَهُ بوقوعِ (إيْلاَفِهِمْ) عليه ، وإنْ شئتَ على الظَّرفِ.

واختلَفُوا في تفسيرِ رحلة الشتاء والصيف ، فرُوي عن ابنِ عبَّاس قال: (( كَانُوا يَشْتُونَ بمَكَّةَ ، فأَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى أنْ يُقِيمُوا بالْحَرَمِ ، وَيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا الْبَيْتِ ) ). وَقِيْلَ: كانت لهم في السَّنة رحلَتان: إحدَاهُما في الشِّتاء إلى اليمنِ لأنَّها أدفأُ ، والأُخرى في الصَّيف إلى الشَّام ، وكان الحرَمُ جَدْبًا لا زرعَ فيه ولا ضرعَ ولا شجرَ ، وإنما كان قريشٌ يعيشُونَ بتجارتِهم ورحلَتِهم ، وكان لا يتعرضُ له أحدٌ بسوءٍ ، وكانت الناسُ تقول: سُكَّان حرمِ الله ، فلولا الرِّحلتان لم يكن لأحدٍ بمكة مقامٌ ، ولولا الأمنُ بجوار البيت لم يقدِرُوا على التصرُّف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت