فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ } ؛ وذلك أنِّهم وَحَمُوا الْمَنَّ والسَّلوى وملُّوهما. قال الحسنُ: كَانُواْ أُنَاسًا أهْلَ كُرَاشٍ ؛ كُرَّاثٍ ؛ وَأبْصَالٍ ؛ وَأعْدَاسٍ ؛ فَفَزِعُواْ إلَى عِكْرِهِمْ عِكْرَ السُّوءِ ؛ وَاشْتَاقَتْ طَبَائِعُهُمْ إلَى مَا جَرَتْ عَلَيْهِ عَادَاتُهُمْ ؛ فقالوا: { لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ } يعنون به المنَّ والسلوى. وإنما قال: { طَعَامٍ وَاحِدٍ } وهما اثنان ؛ لأن العربَ تعبر عن الاثنين بلفظ الواحد ؛ وعن الواحد بلفظ الاثنين ؛ كقولهِ تعالى: { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } [الرحمن: 22] وإنما يخرجُ من الملح دون العَذْب. وقال عبدُالرحمن بن يزيد: (كَانُواْ يَعْجِنُونَ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى لِيَصِيْرَ طَعَامًا وَاحِدًا فَيَأْكُلُونَهُ) .

قَوْلُهُ تَعَالىَ: { فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا } ، قرأ يحيى بن وثَّاب وطلحة بن مصرف: (وَقُثَائِهَا) بضم القاف ، وهي لغة تميم. قوله تعالى { وَفُومِهَا } ؛ قال ابن عباس: (الْفُومُ: الْخُبْزُ) تَقُولُ الْعَرَبُ: فُومُو لَنَا ؛ أيِ اخْبِزُواْ لَنَا. وَيُقَالُ لِسَائِرِ الْحُبُوب الَّتِي تُخْتَبَزُ: الْفُومُ. يقول الرجلُ لجاريته: فُومي ؛ أي اختبزي. وقال عطاء: هِيَ الْحِنْطَةُ ؛ وهي لغةٌ قديمة. وقال الكلبي: هُوَ الثُّومُ. قال حسَّان: وَأنْتُمْ أُنَاسٌ لِئَامُ الأُصُولِ طَعَامُكُمُ الْفُومُ وَالْحَوْقَلُيريد: الثومَ والبصل. والعربُ تعاقب بين الفاء والثاءِ. فتقول للحقيرِ: حدثُ وحدفُ ؛ ودليل هذا التأويل أنَّها في مصحف عبدالله: (وَثُومِهَا) بالثاء.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا } ؛ قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"عَلَيْكُمْ بالْعَدَسِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ مُقَدَّسٌ ؛ وَإنَّهُ يُرِقُّ الْقَلْبَ وَيُكْثِرُ الدَّمْعَ ، وَإنَّهُ بَارَكَ فِيْهِ سَبْعُونَ نَبيًّا آخِرُهُمْ عِيْسَى عليه السلام"فَقَالَ لَهم موسَى: { قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ } . وفي مصحف أُبَيّ: (أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أدْنَى) أي أخَسُّ وأرْدَى (بالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) يعني المنَّ والسَّلوى. وقولهُ تعالَى: { اهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ } ؛ معناه إنْ أبَيْتُمْ إلا ذلك فاهبطوا مصرًا من الأمصار ؛ ولو أراد مصرًا بعينها لم يصرفه كقوله تعالى: { ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ } [يوسف: 99] . وقال الضحَّاك: (هِيَ مِصْرُ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ) . ودليلُ هذا القول قراءةُ الحسن وطلحة: (مِصْرَ) بغيرِ تنوينٍ جعلاَها معرفةً ؛ فاجتمع فيها التعريفُ والتأنيثُ من حيث أراد البقعةَ فلم ينصرف.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ } ؛ أي الذلُّ والهوانُ بالجزيةِ ، { وَالْمَسْكَنَةُ } ؛ أي زيُّ الفقر فتراهم كأَنَّهم فقراء وإن كانوا مياسير. وقيل: فُقرَاءُ القَبَلِ فلا يُرَى في أهلِ الملل أذلَّ ولا أحرصَ على المالِ من اليَهُودِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ } ؛ أي رجعوا ؛ وقيل: استحقُّوا ، والباء صلةٌ. وقيل: احتمَلُوا واقروا به ، ومنهُ الدعاء المأثور: [أبُوءُ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ؛ وَأبُوءُ بذَنْبي] . وغضبُ الله عليهم: ذَمُّهُ إياهم وتوعُّده لهم في الدنيا ، وإنزالُ العقوبة بهم العقبى. قَوْلُهُ تَعَالَى: { ذَلِكَ } ؛ أي ذلك الغضبُ ؛ { بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } ؛ أي بصفة مُحَمَّدٍ وآية الرجمِ في التوراة والإنجيل والفُرْقَانِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت