قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ } ؛ أي قال موسَى: فَاذهَبْ مِن بيننا ، فإن لكَ ما دُمْتَ حيًّا أن تقولَ: (لاَ مِسَاسَ) أي لا أمُسُّ ولا أُمَسُّ ولا أخالطُ ، وأمرَ موسى أن لا يؤاكلوهُ ولا يخالطوه ولا يبايعوهُ ، فَحَرَّمَ عليهم مخالطةَ السامريِّ زَجْرًا لفعلهِ ، وكان هو يقيمُ في البريَّة مع الوحوشِ والسِّباع.
ويقالُ: إنه ابْتُلِيَ بالوَسْوَاسِ ، ويقال: إنَّ موسى هَمَّ بقتلِ السامريِّ فقال اللهُ: لا تَقتُلْهُ فإنه سخيٌّ! فكان السامريُّ إذا لَقِيَ أحدًا يقولُ: لاَ مِسَاسَ ؛ أي لا تَقْرَبْنِي ولا تَمسَّني ، وذلك عقوبة لهُ ولولدهِ ، عَاقَبَهُ اللهُ بذلك حتى أن بقايَاهم اليومَ يقولون كذلكَ. وذُكِرَ أنه إذا مَسَّ واحدٌ من نَسْلِهِ أحدًا من غيرهم حَمَّ كلاهُما في الوقت. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ } ؛ معناهُ: وإن لكَ يا سامريُّ أجَلًا يُكَافِؤُكَ اللهُ فيه على ما فعلتَ وهو يومُ القيامة.
قرأ الحسنُ وابن مسعود: (نُخْلِفَهُ) وابن كثير وابن عامرٍ (تُخْلِفَهُ) بكسرِ اللام ؛ أي لن يغيبَ عنه بل يوافقهُ ، ولا مذهبَ لك عنه ، وقرأ الباقون بفتحِ اللام بمعنى لن يَخْلَفَهُ اللهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَانظُرْ إِلَى إِلَـاهِكَ } ؛ أي وانظر إلى العجلِ الذي أقمتَ على عبادتهِ ، وزعمتَ أنه إلَهُكَ ومعبودُك ، { الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا } ؛ أي مُقيمًا تعبدهُ ، تقولُ العرب ظَلْتُ أفْعَلُ كذا بمعنى ظَلَلْتُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (حَرَّقَهُ بالنَّارِ ، ثُمَّ ذرَّاهُ فِي الْيَمِّ) وهذه القراءةُ تدلُّ على أن ذلك العجلَ صار حيوانًا لَحمًا ودمًا لأن الذهبَ والفضَّة لا يُمكن إحراقُهما بالنار.
وذُكِرَ في بعضِ التفاسير: أن موسى أخذ العجلَ فذبَحَهُ فسالَ منه دمٌ ، لأنَّه كان قد صارَ دمًا ولحمًا ، ثُم أحرقه بالنارِ ثم ذرَّاهُ في البحرِ.
وكان الحسنُ يقرأ (لَنُحْرِقَنَّهُ) بالتخفيف ، ومعناه: لَنَذْبَحَنَّهُ ثم لنحرقنه بالنار ، لأنه لا يجوزُ إحراقُ الحيوانِ قبل الذبحِ كما روي في الخبر:"لاَ تُعَذِّبُوا أحَدًا بعَذاب اللهِ".
وقرأ أبو جعفرٍ وأشهبُ العقيلي: (لَنَحْرُقَنَّهُ) بنصب النونِ وضمِّ الراء ؛ أي لَنَبْرُدَنَّهُ بالْمِبْرَدِ ، يقال: حرقتُ الشيءَ أُحرِقهُ أذا بَرَدْتَهُ ، والْمِحْرَقُ هو الْمِبْرَدُ ، وهذه القراءةُ تدلُّ على أن العجلَ كان ذهبًا ، ولكن كان له خُوار. قَوْلُهُ تَعَالَى: { ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا } أي لَنُذرِّيَهُ في البحرِ تذريةً ، يقالُ: نَسَفَ فلانٌ الطعامَ بالْمَنْسَفِ إذا ذرَّاهُ ليطيرَ عنه قشوره وترابه.