قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ } ؛ قال مجاهدُ: (تَفَاخَرَ الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ ؛ فَقَالَتِ الْيَهُودُ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ أفْضَلُ وَأَعْظَمُ مِنَ الْكَعْبَةِ ؛ لأنَّهَا مَهَاجِرُ الأنْبيَاءِ وَهِيَ الأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَلِ الْكَعْبَةُ أفْضَلُ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } . وقرأ ابنُ السميقع:(وَضَعَ) بفتح الواو والضَّاد بمعنى وَضَعَهُ اللهُ. { لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ } { فِيهِ ءَايَاتٌ بَيِّنَـاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ } [آل عمران: 97] ؛ وليس ذلكَ بيتُ المقدس ، وكتبَ على الناسِ حجُّ البيتِ وليس ذلكَ بيتُ المقدسِ.
واختلفُوا في قولهِ تعالى: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } ؛ قال بعضُهم: هو أوَّلُ بيتٍ وُضِعَ على وجهِ الماءِ عندَ خَلْقِ اللهِ السَّموات والأرضَ ، خَلَقَهُ اللهُ تعالى قبلَ الأرضِ بألفَي عامٍ ، وكان رَبْوَةً بيضاءَ على الماءِ فَدُحِيَتِ الأرضُ من تحتهِ ، وهذا قولُ ابنِ عمرَ ومجاهدُ وقتادة والسديُّ. وقيل: معناهُ: أوَّلُ بيتٍ بناهُ آدمُ في الأرضِ ، قالهُ ابن عبَّاس. وقال الضحَّاك: (مَعْنَاهُ: أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِيْهِ الْبَرَكَةُ وَاخْتِيْرَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ الأَعْلَى) .
وقيلَ: هو أوَّلُ بيتٍ جُعِلَ قِبلةً للمسلمين. وعن أبي ذرٍّ قَالَ:"سُئِلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ أوَّلِ بيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ، فَقَالَ:"الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ؛ ثُمَّ بَيْتُ الْمَقْدِسِ"فَقِيْلَ لَهُ: كَمْ بَيْنَهُمَا ؟ قال:"أرْبَعُونَ عَامًا"."
وقال الحسنُ: (مَعْنَاهُ: إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِعِباَدَةِ النَّاسِ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ الْكَعْبَةُ ؛ بَنَاهَا إبْرَاهِيْمُ عليه السلام كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ } [الحج: 26] . وَأمَّا بنَاءُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَدْ كَانَ بَعْدَ الْكَعْبَةِ بدَهْرٍ طَوِيْلٍ ؛ بَنَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) .
قال الكلبيُّ: (كَانَ آدَمُ عليه السلام حِيْنَ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ بَنَى الْكَعْبَةَ فَطَافَ بهَا ، فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ طُوفَانِ نُوحٍ عليه السلام رَفَعَهَا اللهُ إلى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ بِحِيَالِ مَوْضِعِ الْكَعْبَةِ ؛ وَهِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُقَالُ لَهُ الضِّرَاحُ ؛ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ) . ورويَ أنَّ اللهَ تعالى أنزلَ الكعبةَ من السَّماء وهي مِن ياقوتةٍ حَمراءَ ، وكانتِ الملائكةُ تَحُجُّهَا قبلَ آدمَ عليه السلام ، فلمَّا كَثُرَتِ الخطايَا رفعَها اللهُ تعالى.
وعن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ:"إنَّ الْكَعْبَةَ كَانَتْ خُشْعَةً عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ فَدُحِيَتِ الأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا"وَالْخُشْعَةُ: مثلُ الصُّبْرَةِ متواضعةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { بِبَكَّةَ } ، قال الضحَّاك: (هِيَ مَكَّةُ ، وَالْعَرَبُ تُعَاقِبُ بَيْنَ الْبَاءِ وَالْمِيْمِ فَتَقُولُ: ضَرْبَةُ لأزبٍ ، وضَرْبَةُ لاَزمٍ) . وقال ابنُ شِهاب: (بَكَّةُ الْمَسْجِدُ وَالْبَيْتُ ، وَمَكَّةُ الْحَرَمُ كُلُّهُ) ومثلُه قال الزهريُّ. وسُمِّي المسجدُ بَكَّةً ؛ لأنَّ الْبَكَّ هُوَ الرَّحْمَةُ ، في اللغةِ يقالُ: بَكَّهُ إذا رَحِمَهُ. وسُمِّي المسجدُ بَكًّا لأن الناسَ يتبَاكُّون فيهِ ؛ أي يزدحِمون للطوافِ. وقال أبو عُبيد: (بَكَّةُ اسْمٌ لِبَطْنِ مَكَّةَ ، وَمَكَّةُ لِمَا بَقِيَ) .