فهرس الكتاب

الصفحة 643 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } ؛ أي له القدرةُ على أهلِ السَّموات والأرضِ ، والخطابُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهُ تَعَالَى: { يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ } ؛ أي يعذِّبُ مَنْ يشاءُ على الذنب الصغير وهو عدلٌ منه ، ويغفرُ لِمَنْ يشاءُ الذنبَ العظيمَ وهو فضلٌ منه ؛ أي يعذِّبُ من توجبُ الحكمة تعذيبَهُ ، ويغفرُ لمن توجبُ الحكمة مغفرتَهُ ، { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .

وقولهُ تعالى: { ياأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } ؛ أي لا يحزِنُكَ يا مُحَمَّدُ فعلُ الذين يسارعُ بعضهم بعضًا في الإقامةِ على الكفرِ والحثِّ عليه.

قرأ نافعُ: (يُحْزِنُكَ) بضمِّ الياء ، ومعناهما واحدٌ. وقرأ السلميُّ: (يُسْرِعُونَ فِي الْكُفْرِ) ، وقولهُ تعالى: { مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } وهم المنافقون { وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ } ؛ أي ومن يهودِ المدينة الذين هم أهلُ الصُّلح للنبيِّ صلى الله عليه وسلم. وفي هذا تسليةٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم وتثبيتٌ لفؤادهِ بوعد النُّصرَةِ والظفرِ ، وإعلامٌ أنَّ اليهود والنصارَى والمنافقين لا يضرُّونَهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى:" { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ } ؛ أي قابلون للكذب ، يعني بني قُريظة هم سَمَّاعون لقومٍ آخَرين لم يأتُوكَ ، يعني يهودَ خيبر ، وذلك: أنَّ رَجُلًا وَامْرَأةً مِنْ أشْرَافِ أهْلِ خَيْبَرَ زَنَيَا ، وَكَانَتْ خَيْبَرُ حَرْبًا لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَكَانَ الزَّانِيَانِ مُحْصِنَيْنِ ، وَكَانَ حَدَّهُمَا الرَّجْمُ فِي التَّوْرَاةِ ، فَكَرِهَتِ الْيَهُودُ رَجْمَهُمَا لِشَرَفِهِمَا ، وَقَالُواْ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي فِي يَثْرِبَ لَيْسَ فِي كِتَابِهِ الرَّجْمُ وَلَكِنَّهُ الضَّرْبُ ، فَأَرْسِلُوا إلَى إخْوَانِكُمْ بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَإنَّهُمْ صُلْحٌ لَهُ وَجِيراَنُهُ فَيَسْأَلُونَهُ عَنْ ذلِكَ ، فَبَعَثُوا رَهْطًا مِنْهُمْ مُسْتَخْفِينَ ، وَقَالُواْ لَهُمْ: اسْأَلُوا مُحَمَّدًا عَنِ الزَّانِيَينِ مُحْصِنَينِ مَا حَدُّهُمَا ؟ فَإنْ أمَرَكُمْ بالْجَلْدِ فَاقْبَلُواْ مِنْهُ ، وَإنْ أمَرَكُمْ بالرَّجْمِ فَاحْذرُوهُ وَلاَ تَقْبَلُواْ مِنْهُ ، وَأرْسَلُواْ الزَّانِيَيْنِ مَعَهُمْ."

فَقَدِمَ الرَّهْطُ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ ، وَذَكَرُوا لَهُمْ ذلِكَ وَقَالُواْ: اسْأَلُوا لَنَا مُحَمَّدًا عَنْ قَضَائِهِ ، فَقَالَ لَهُمْ بَنُو قُرَيْظَةَ: إذًا وَاللهِ يَأْمُرُكُمْ بمَا تَكْرَهُونَ ، ثُمَّ انْطَلَقَ مِنْهُمْ قَوْمٌ مِثْلُ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ وَكَعْب بْنِ أسَدٍ وَسَبْعَةَ بْنِ عُمَرَ وَمَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وَعَازُورَاءَ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالُواْ: يَا مُحَمَّدُ أخْبرْنَا عَنِ الزَّانِيَةِ وَالزَّانِي إذا أحْصَنَا مَا حَدُّهُمَا وَكَيْفَ تَجِدُ فِي كِتابكَ ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"وَهَلْ تَرْضَوْنَ بقَضَائِي فِي ذلِكَ ؟"قَالُواْ: نَعَمْ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام بالرَّجْمِ ، فَأَخْبَرَهُمْ فَأَبَوا أنْ يَأْخُذُواْ بهِ.

فَقَالَ جِبْرِيلُ عليه السلام: اجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ابْنَ صُوريَّا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"هَلْ تَعْرِفُونَ شَابًّا مِنَ الرِّبيِّينَ أعْوَرَ سَكَنَ فَدَكْ ؟"قَالُواْ: نَعَمْ ، قَالَ:"فَأَيُّ رَجُلٍ هُوَ فِيْكُمْ ؟"قَالُواْ: هُوَ أعْلَمُ مَنْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنَ الْيَهُودِ بالتَّوْرَاةِ ، قَالَ:"فَأَرْسِلُواْ لَهُ"، فَفَعَلُواْ ، فَأَتَاهُمْ ابْنُ صُوريَّا ، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"أنْتَ ابْنُ صُوريَّا ؟"قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ:"أنْتَ أعْلَمُ الْيَهُودِ ؟"قَالَ: كَذلِكَ يَزْعُمُونَ ، قَالَ:"أتَجْعَلُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ؟"قَالُواْ: نَعَمْ قَدْ رَضِينَا بهِ إذا رَضِيْتَ بهِ.

فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"أنْشِدُكَ باللهِ الَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ الْقَوِيُّ ، إلَهُ بَنِي إسْرَائِيلَ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ، وَالَّذِي فَلَقَ لَكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَاكُمْ وَأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ ، وَالَّذِي ظَلَّلَ عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ، وَأنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ، هَلْ تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمُ الرَّجْمَ عَلَى مَنْ أحْصَنَ ؟"قَالَ ابْنُ صُوريَّا: نَعَمْ وَالَّذِي ذكَّرْتَنِي بهِ ؛ وَلَوْلاَ خِشْيَةَ أنْ تُحْرِقَنِي التَّوْرَاةُ إنْ كَذبْتُ أوْ غَيَّرْتُ لَمَا أعْرَفْتُ لَكَ ، وَلَكِنْ كَيْفَ فِي كِتَابكَ يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ:"إذا شَهِدَ أرْبَعَةٌ عُدُولٌ أنَّهُ أدْخَلَ فِيْهَا ، كَمَا يَدْخُلُ الْمِيْلُ فِي الْمِكْحَلَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ"، قَالَ ابْنُ صُوريَّا: وَالَّذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى لَهَكَذا أنْزِلَ عَلَى مُوسَى.

فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: مَا أسْرَعَ مَا صَدَقْتَهُ ، أمَا كُنْتَ لَمَّا أتَيْنَا عَلَيْكَ بأَهْلٍ وَمَا أنْتَ بأَعْلَمِنَا ، فَقَالَ لَهُمْ: أنْشَدَنِي بالتَّوْرَاةِ ، وَلَوْلاَ خِشْيَةَ التَّوْرَاةِ أنْ تُهْلِكَنِي لَمَا أخْبَرْتُهُ ، وَخِفْتُ إنْ كَذبْتُهُ أنْ يَنْزِلَ بنَا عَذابٌ شَدِيدٌ.

فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم برَجْمِ الْيَهُودِيَّين الزَّانِيَينِ ، وَقَالَ:"أنَا أوَّلُ مَنْ يُحيْي سُنَّةً إذا أمَاتُوهَا"، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } فَلاَ يُخْبرُكُمْ بهِ.

فَقَالَ ابْنُ صُوريَّا: أنْشِدُكَ باللهِ يَا مُحَمَّدُ أنْ تُخبرَنَا بالْكَثِيرِ الَّّذِي أمِرْتَ أنْ تَعْفُو عَنْهُ ، فَأَعْرَضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ ابْنُ صُوريَّا: أخْبرْنَا عَنْ ثَلاَثِ خِصَالٍ ، قَالَ:"مَا هُنَّ ؟"قَالَ: أخْبرْنِي عَنْ نَوْمِكَ ؟ قَالَ:"تَنَامُ عَيْنَايَ وَقَلْبي يَقْظَانٌ"، قَالَ: صَدَقْتَ.

قَالَ: فَأَخْبرْنِي عَنْ شَبَهِ الْوَلَدِ بأَبيهِ لَيْسَ فِيْهِ مِنْ شَبَهِ أمِّهِ شَيْءٌ ، وَعَنْ شَبَهِ أمِّهِ لَيْسَ فِيْهِ مِنْ شَبَهِ أبيهِ شَيْءٌ ، قَالَ:"أيُّهُمَا عَلاَ وَسَبَقَ مَاؤُهُ مَاءَ صَاحِبهِ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ"، قَالَ: صَدَقْتَ.

فَأَسْلَمَ ابْنُ صُوريَّا حِينَئِذٍ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ يَأْتِيكَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بالْوَحْيِ ؟ قَالَ:"جِبْرِيْلُ"قَالَ: صِفْهُ لِي ، قَالَ: فَوَصَفَهُ لَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: أشْهَدُ أنَّهُ فِي التَّوْرَاةِ كَمَا قُلْتَ ، وَإنَّكَ رَسُولُ اللهِ ، فَلَمَّا أسْلَمَ ابْنُ صُوريَّا شَتَمُوهُ"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت