قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـاكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } ؛ نزَلت في نفرٍ من بني أسَدٍ بن خُزيمة قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ فِي سَنَةٍ جَدْبَةٍ ، وَأظْهَرُواْ شَهَادَةَ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ، وَلَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فِي السِّرِّ ، وَأفْسَدُوا طُرُقَ الْمَدِينَةِ بالعَذرَاتِ وَأغْلَوْا أسْعَارَهَا ، وَكَانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهُمْ مُخْلِصُونَ فِي إيْمَانِهِمْ ، وَلَمْ يَكُونُوا كَذلِكَ ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: يَأْتِيكَ الْعَرَبُ بأَنْفُسِهَا عَلَى ظُهُور رَوَاحِلِهَا وَأتَيْنَاكَ بالأَثْقَالِ وَالْعِيَالِ وَالذرَاري ، يَمُنُّونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ، وَلَمْ نُقَاتِلْكَ كَمَا تُقَاتِلُكَ بَنُو فُلاَنٍ وَبَنُو فُلاَنٍ ، وَيُرِيدُونَ بذلِكَ الصَّدَقَةَ وَيَقُولُونَ: أعْطِنَا. فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ.
والمعنى: أنَّهم قالوا صدَّقنا باللسانِ والقُلوب ، قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لَمْ تُؤْمِنُوا ؛ أي لَمْ تُصدِّقوا بقُلوبكم كما صدَّقتم بأَلسِنَتِكم { وَلَـاكِن قُولُواْ } اسْتَسْلَمْنَا وأنقَدْنا مخافةَ السَّبي والقتلِ: { وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } ؛ في السِّر كما أطَعتُم في العَلانية ، فتُتوبوا من الكفرِ والنفاق ، { لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا } ؛ أي لا يَنقِصْكُم من ثواب أعمالكم شيئًا ، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } ؛ لِمَن تابَ ، { رَّحِيمٌ } ؛ بمَن ماتَ على التوبةِ.
ومن قرأ (لاَ يَأْلِتْكُمْ) بالهمزةِ فهو من ألَتَ يَأْلِتُ ألَتًا إذا نَقَصَ ، ويقال: لاتَ يَلِيتُ لَيْتًا بهذا المعنى ، وكِلا القراءَتين بمعنىً واحدٍ.