فهرس الكتاب

الصفحة 2812 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا:(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أبي مُعَمَّرٍ جَمِيْلِ بْنِ أبي رَاشِدٍ الْفِهْرِيِّ ، وَكَانَ رَجُلًا حَافِظًا لَبيْبًا لِمَا يَسْمَعُ ، وَكَانَ يَقُولُ: إنَّ فِي جَوْفِي لَقَلْبَيْنِ ، أعْقِلُ بكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أفْضَلَ مِنْ عَقْلٍ مُحَمَّدٍ! وَكَانَتْ قُرَيْشُ تُسَمِّيْهِ ذا الْقَلْبَيْنِ لِدَهَائِهِ وَكَثْرَةِ حِفْظِهِ لِلْحَدِيْثِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ تَكْذِيْبًا لَهُمْ ، فَأَخْبَرَ أنَّهُ مَا خَلَقَ لأَحَدٍ قَلْبَيْنِ.

فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْر وَهُزِمَ الْمُشْرِكُونَ وَفِيْهِمْ أبُو مُعَمَّرٍ ، تَلَقَّاهُ أبُو سُفْيَانَ وَهُوَ يَعْدُو وَإحْدَى نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ وَالأُخْرَى فِي رجْلِهِ ، فَقَالَ لَهُ: يَا أبَا مُعَمَّرٍ مَا فَعَلَ النَّاسُ ؟ قَالَ: انْهَزَمُواْ. فَقَالَ لَهُ: مَا بَالُ إحْدَى نَعْلَيْكَ فِي يَدِكَ وَالأُخْرَى فِي رجْلِكَ؟! فَقَالَ: مَا شَعَرْتُ إلاَّ أنَّهُمَا فِي رجْلِيَّ. فَعَرَفُواْ يَوْمَئِذٍ أنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ قَلْبَانِ مَا نَسِيَ نَعْلَهُ فِي يَدِهِ).

وقال الزهريُّ: ومقاتلُ: (هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلْمُظَاهِرِ امْرَأتَهُ وَالْمُتَبَنِّي وَلَدَ غَيْرِهِ ، يَقُولُ: فَكَمَا لاَ يَكُونُ لِلرَّجُلِ قَلْبَانِ ، لاَ تَكُونُ امْرَأةُ الْمُظَاهِرِ أُمَّهُ حَتَّى لاَ يَكُونَ لَهُ أُمَّانِ ، وَلاَ يَكُونُ وَلَدٌ ابْنَ رَجُلَيْنِ) .

قًَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ } ؛ أي ما جَعَلَ نساءَكم اللاَّئي تقولونَ لَهُن: أنتُنَّ علينا كظُهور أُمَّهاتِنا ، لَم نجعلَهن كأُمَّهاتِكم في الْحُرْمَةِ. وكانت العربُ تُطَلِّقُ نساءَها في الجاهلية بهذا اللفظِ ، فلما جاءَ الإسلامُ نُهُوا عنه ، وأُوجِبَتِ الكفارةُ في سورةِ الْمُجادلَةِ.

قًَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ } ؛ أي ما جعلَ مَن تدَّعُونَهُ ابنًا من أبناءِ غيرِكم كأبنائكم الذين مِن أصْلاَبكم في الانتساب والْحُرمَةِ والْحُكْمِ ، وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ تَبَنَّى زَيْدَ بْنَ حَارثَةَ بَعْدَ أنْ أعْتَقَهُ ، فَكَانَ يُقَالُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، فَلَمَّا جَاءَ الإسْلاَمُ أُمِرَ أنْ تُلْحَقَ الأدْعِيَاءُ بآبَائِهم ، وَكَانَ يَوْمَ تَبَنَّاهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ الْوَحْيِ.

قرأ نافعُ وأبو عمرٍو (وَتَظَّهَّرُونَ) بفتح التاءِ وتشديد الظَّاء والهاءِ من غير ألِف ، وقرأ الشَّاميُّ كذلك إلاّ أنَّه بألف ، وقرأ حمزةُ والكسائي مثلَ قراءةِ شامي إلاّ أنه بالتخفيفِ ، وقرأ عاصمُ والحسن بضمِّ التاء وتخفيف الظَّاء وبألف وكسرِ الهاء ، قال أبو عمرٍو: (وَهَذا مُنْكَرٌ ؛ لأَنَّ التَّظَاهُرَ مِنَ التَّعَاوُنِ) .

قًَوْلُهُ تَعَالَى: { ذَالِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ } ؛ أي الذي تقولونَهُ من إضافةِ القَلبَينِ إلى الرجُل الواحدِ ، وقولِ الرجُل لامرأتهِ: أنتِ علَيَّ كظهرِ أُمِّي ، وقولِ الرجُل لغيرِ ابنه: هذا ابْنِي ، قَولهُ: تقولونَ بأفواهِكم من غيرِ أن يكون له حقيقةٌ ولا عليه دلالةٌ ولا حُجَّةٌ ، { وَاللَّهُ } ؛ تعالَى: { يَقُولُ الْحَقَّ } ؛ أي يُبَيِّنُ أنَّ الذين يقولونه قولٌ باطل ، { وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ } ؛ أي يَدُلُّ على طريقِ وإلى الدِّين المستقيمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت