فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 4495

قولهُ عَزَّ وَجَلَّ: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ } ؛ أي فُرضَ عليكم إذا حَضَرَ أحدَكم أسبابُ الموتِ من العلل والأمراض ، { إِن تَرَكَ خَيْرًا } ؛ أي مَالًا ، { الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ } ؛ وفي ارتفاع الوصية وجهان ؛ أحدُهما: اسم ما يسمَّ فاعله ؛ أي كتب عليكم الوصيةُ ، والثاني: بخبر الجار والمجرور. وفي قوله: { لِلْوَالِدَيْنِ } . وقَوْلُهُ تَعَالَى: { بِالْمَعْرُوفِ } أي لا يزيد على الثُلُثِ ؛ ولا يوصي للغني ويترك الفقير. كما قيلَ: الوصيةُ للأحوج فالأحوج. وقوله تعالى: { حَقًّا } ؛ أي حَقًّا واجبًا وهو نعتٌ على المصدر ، معناه: حقٌّ ذلك حقًا. وقيل: على المفعول ؛ أي جعل الوصية حقًّا. وقوله تعالى: { عَلَى الْمُتَّقِينَ } ؛ أي على المؤمنين.

وسببُ نزول هذه الآية: أنَّهم كانوا في ابتداء الإسلام يوصون للأباعد طلبًا للرياءِ ، فأمرَ الله تعالى مَن { تَرَكَ خَيْرًا } أي مالًا. نظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ } [البقرة: 272] أي من مالٍ ، وقوله: { إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } [القصص: 24] أي من مالٍ ، { وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } [العاديات: 8] . وقوله تعالى: { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ } أي إذا مَرِضَ أحدكم ؛ لأنه إذا عاينَ الموتَ فقد شُغل عن الوصية.

وهذه الآية منسوخةٌ عند أكثرِ العلماء ، واختلفوا بأيِّ دليل نُسِخَتْ ؛ فقالَ بعضهم: بآية المواريث ، وهذا لا يصحُّ ؛ لأنَّ الله تعالى قال فيها: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ } [النساء: 11] . والصحيح: أنَّها نُسِخَتْ بقوله عليه السلام:"لاَ وَصِيَّةَ لِوَارثٍ"وهذا الخبرُ وإن كان خبرَ واحدٍ فقد تَلَقَّتْهُ الأمة بالقبول ، فقد جرى مجرى التواتر ، ويجوزُ نسخ القرآن بمثل هذه السُّنة ، ولا تجبُ الوصية إلا على من عليه شيء من الواجباتِ لله تعالى أو لعبادهِ ، وتستحبُّ لما لا شيء عليه بالوصية بالثلث لأقاربه الذين لا يرثونه بالرحمِ ، وفي جهات الخيرِ إذا لم يخف ضررًا على ورثته ، قال الضَّحاك: (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يُوصِ لِذِي قَرَابَتِهِ ، فَقَدْ خُتِمَ عَلَيْهِ بمَعْصِيَتِهِ) . وقيلَ: لا يجب على أحدٍ وصيةً ، فإن أوصَى فحسنٌ ، وإن لم يُوصِ فلا شيءَ عليه ، وهذا قولُ عليٍّ وابنِ عمرَ وعائشةَ وعكرمةَ ومجاهدٍ والسديُّ.

قال عروةُ بن الزبير: (دَخَلَ عَلِيٌّ رضي الله عنه عَلَى مَرِيْضٍ يَعُودُهُ ؛ فَقَالَ: إنِّي أُريْدُ أنْ أُوصِي ، قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: { إِن تَرَكَ خَيْرًا } وَإنَّمَا تَتْرُكُ شَيْئًا يَسِيْرًا فَدَعْهُ لِعِيَالِكَ ، فَإنَّهُ أفْضَلُ) . وروى نافعٌ عن ابنِ عمر: (أنَّهُ لَمْ يُوصِ ، فَقَالَ: أمَّا ربَاعِي فَلاَ أُحِبُّ أنْ يُشَاركَ وَلَدِي فِيْهَا أحَدٌ]. وروي:(أنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: إنِّي أُريْدُ أنْ أُوْصِي ، قَالَتْ: كَمْ مَالُكَ ؟ قَالَ: ثَلاَثَةُ آلاَفٍ ، قَالَتْ: كَمْ عِيَالُكَ ؟ قَالَ: أرْبَعَةٌ ، قَالَتْ: إنَّمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: { إِن تَرَكَ خَيْرًا } وَهَذَا شَيْءٌ يَسِيْرٌ فَاتْرُكْ لِعِيَالِكَ) . وقد روي عن عروةَ بنِ ثابت قال للربيعِ بن خَيْثَمَ: (أوْصِ لِي بمُصْحَفِكَ ، فَنَظَرَ إلَى ابْنِهِ ، وَقَالَ: { وَأْوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } [الأنفال: 75] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت