فهرس الكتاب

الصفحة 869 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ } أي وكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أهْلَكْنَا أهلَها بأنواعِ العذاب فَجَاءَهَا بَأْسُنَا لَيْلًا. وسَمَّى الليلَ بَيَاتًا ؛ لأنه بَيَاتٌ فيه. قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ } أي وقتَ الظَّهيرةِ ؛ يعني نَهَارًا في وقتُ القَائِلَةِ. و { قَآئِلُونَ } : نَائِمُونَ وقتَ الْهَاجِرَةِ.

وإنَّما خصَّ هذين الوقتين بنُزولِ العذاب ؛ لأنَّهما من أوقاتِ الرَّاحة. وَقِيْلَ: من أوقاتِ الغَفْلَةِ. ومجيءُ العذاب في حالِ الراحة أغلظُ وأشدُّ ؛ أهلكَ اللهُ قوم شُعَيْبٍ في نِصْفِ النهار ، وفي حَرٍّ شديدٍ وهم قَائِلُونَ. وفائدةُ هذه الآية: التهديدُ والوعيد على معنى: إنْ لَمْ تَتَّعِظُوا أتَاكُمُ العذابُ ليلًا أو نَهَارًا كما أتَى الأوَّلين الذين لم يَتَّعِظُوا.

ثم أخبَرَ جَلَّ ذِكْرُهُ عن حال مَن أتاهم العذابُ فقال عَزَّ وَجَلَّ: { فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } ؛ معناهُ: لم يكن قولُهم ودعاؤُهم حين جاءَهم عذابُنا إلا الاعترافَ بالظلم والشِّركِ ؛ أي اعْتَبرُوا بهم ؛ فكما لم ينفعهُم تضرُّعهم عند رؤيةِ البَأْسِ ؛ كذلك لا ينفعُكم إذا جاءكم العذابُ تضرُّعُكم.

قال سِيْبَوَيْهِ: (إنَّ الدَّعْوَى تَصْلُحُ فِي مَعْنَى الدُّعَاءِ ، وَيَجُوزُ أنْ يُقَالَ: اللَّهُمَّ أشْرِكْنَا فِي صَالِحِ دَعْوَى الْمُسْلِمِيْنَ وَدُعَاءِ الْمُسْلمِينَ) . فإن قِيْلَ: إنَّ الهلاكَ يكون بعد البأسِ ؛ فكيفَ قال: { أَهْلَكْنَاهُمْ } [الكهف: 59] { أَهْلَكْنَاهَآ } [الأنبياء: 6] { فَجَآءَهَا بَأْسُنَا } ؟ قِيْلَ: إنَّهما يَقَعَانِ معًا كما يقالُ: أعطيتَني فأحسنتَ. ويجوزُ أن يكون التقديرُ: أهْلَكْنَاهَا في حُكْمِنَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت