فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } ؛ قال: (سبعين) :"لَمَّا أنْزَلَ اللهُ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: { مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } قالَ صلى الله عليه وسلم: [رَب زدْ أُمَّتِي] فَنَزَلَ { مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } فَقَالَ: [رَب زدْ أُمَّتِي] فَنَزَلَ { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ".

وفي الآية استدعاءٌ إلى الانفاق والبرِّ في سبيل الله بألطفِ الكلام وأبلغهِ ، وسَمَّاهُ الله قرضًا تأكيدًا لاستحقاقِ الجزاء ؛ لأنه لا يكون قرضًا إلا والعوضُ مستحَقٌّ فيه. ومعنى الآيةِ: مَن ذا الذي يتصدقُ بصدقة طيبةٍ من نفس طيبةٍ لا يَمُنُّ بها على السائلِ ولا يؤذيه ، قال الحسنُ: (هُوَ النَّفَقَةُ فِي أبْوَاب الْبرِّ مِنَ النَّفْلِ) . وقال ابنُ زيد: (هُوَ الإنْفَاقُ فِي الْجِهَادِ فِي سَبيْلِ اللهِ) . وقال الواقديُّ: (قَرْضًا حَسَنًا) يَكُونُ الْمَالُ مِنَ الْحَلاَلِ). وقال سهلُ بن عبدالله: (هُوَ أنْ لاَ يَعْتَقِدَ بقَرْضِهِ عِوَضًا) .

وقَوْلُهُ تَعَالَى: { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } قرأ عاصم وأبو حاتم (فَيُضَاعِفَهُ) بالنصب ، وقرأ ابن عامرٍ ويعقوب بالتشديدِ والنصب بغير ألِف ، وقرأ ابنُ كثير وشيبةُ بالتشديد والرفعِ ، وقرأ الآخرونَ بالألف والتخفيفِ ورفعِ الفاء. فمَن رَفَعَهُ عطفه على (يُقْرِضُ) ، ومن نصبَ جعله جوابَ الاستفهام بالفاءِ. والتشديدُ والتخفيف لُغتان ، ودليلُ التشديدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَضْعَافًا كَثِيرَةً } لأن التشديدَ للتكثيرِ.

قال الحسنُ والسديُّ: (هَذَا التَّضْعِيْفُ لاَ يَعْلَمُهُ إلاَّ اللهُ) . قال أبو زيدٍ: (مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } أي يُعْطِيَهُ سَبْعَمِائَةِ أمْثَالِهِ) . كما قال تعالى في آيةٍ أخرى: { مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ } [البقرة: 261] . وعن أبي عثمان النهديِّ قال: أدْخَلَ أبُو هُرَيْرَةَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَقَالَ: صُمَّتَا إنْ لَمْ أكُنْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"يُضَاعِفُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِ حَسَنَةً إلَى ألْفَي ألْفِ حَسَنَةٍ".

قولهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } ؛ أي يُقَتِّرُ ويوسِّعُ على من يشاءُ من خلقهِ ، ومنهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } [التوبة: 67] أي يُمسكوها عن النفقةِ في سبيل الله ، وقولهُ: { وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأَرْضِ } [الشورى: 27] . وقيل: معناهُ: يقبضُ الصدقاتِ ويبسطُ ، والله يسلبُ النعمة من قومٍ ويبسطُها على قومٍ. وقيل: معناهُ: يقبضُ الصدقاتِ ويبسطُ عليها الجزاءَ عاجلًا وآجِلًا. وقيلَ: القبضُ والبسطُ الإحياءُ والإماتةُ ، فمن أمَاتهُ الله فقد قَبَضَهُ ، ومن مدَّ له في عمرهِ فقد بسطَ له.

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ؛ أي ترجعونَ في الآخرة فيجزيكم بما قدَّمتم ، وقد جهلتِ اليهودُ معنى هذه الآية أو تجاهلت حتى قالت: إن اللهَ يستقرضُ منا فهو فقيرٌ ونحن أغنياءُ كما قال تعالى: { لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت